وكذلك إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة أي هديناكم إلى صراط مستقيم، أو إلى ما مر سابقا كما اصطفينا إبراهيم في الدنيا وجعلناه في الآخرة من الصالحين جعلناكمم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة وسطا خيارا ممن عداهم عدولا مزكين بالعلم والعمل والمعرفة، وهو في الأصل اسم للمكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب ثم استعير لخير الخصال والمحمودة منها لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط كالجود بين الإسراف والبخل والشجاعة بين التهور والجبن ثم أطلق على المتصف بها، مستويا فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كسائر الأسماء التي يوصف بها قال الله تعالى : قال أوسطهم * أي خيرهم، وقال الكلبي : حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أي أهل دين وسط بين الغلو والتقصير، واستدل به على حجية الإجماع لأن بطلان ما أجمعوا عليه ينافي عدالتهم، فإن قيل إن أخطأ مجتهد في اجتهاده لا ينتفي منه عدالته فمالك تحكم بها إذا اتفقوا على الخطأ اتفاقا، قلت قد سمعت أن لفظ الوسط استعير أولا للخصال ثم أطلق على المتصف بها كما يقال زيد عدل وعلى قول الكلبي إنما هو صفة لدينهم، فإطلاق الأمة الوسط عليهم يدل على أن شرائع دينهم وخصالهم المتفقة عليها كلها محمودة فعلى تقدير وقوع الخطأ في إجماعهم وإن كانوا معذورين في ذلك غير متصفين بالقسق لكن بعض خصالهم المتفق عليها مذموم البتة فكيف يكون خصالهم كلها محمودة والله أعلم. عن أبي سعيد الخدري قال : قال فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد العصر فما ترك شيئا إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان قال : أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا، ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي أخيرها وأكرمها على الله عز وجل »* رواه البغوي، وروى الترمذي وابن ماجه والدارمي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده نحوه والحمد لله رب العالمين لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة أن الرسل قد بلغتهم، تعليل لجعلهم عدولا ودليل على أن العدالة شرط للشهادة ويكون الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عليكم أي على عدالتكم شهيدا يعني يكون معدلا ومزكيا لكم، ولما كان الشهيد كالرقيب جيء بكلمة الاستعلاء ون كان حق المقام اللام، ذكر البغوي : أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم يقول لكفار الأمم ألم يأتكم نذير فيقولون : ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فيسأل الأنبياء عليهم السلام عن ذلك فيقولون : كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة وهو أعلم بهم إقامة للحجة فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون لهم أنهم قد بلغوا فيقول الأمم الماضية من أين علموا وإنهم أتوا بعدنا فيسأل هذه الأمة، فيقولون : أرسلت إلينا رسولا وأنزلت عليه كتابا أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم. وروى البخاري والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخذري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجاء بنوح عليه السلام يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم يا رب، فيسأل أمته هل بلغكم فيقولون ما جاءنا من نذير ، فيقال : من شهودك ؟ فيقول : محمد وأمته، قال محمد صلى الله عليه وسلم فيجاء بكم فتشهدون ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك جعلناكم أمة وسطا فتشهدون له بالإبلاغ وأشهد عليكم »* وأخرج أحمد والنسائي والبيهقي عنه بلفظ «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيقال لهم هل بلغتم ؟ فيقولون نعم فتدعى قومهم فيقال لهم هل بلغوكم ؟ فيقولون لا، فيقال للنبيين : من يشهد لكم أنكم بلغتم ؟ فيقولن أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتدعى أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون أنهم قد بلغوا، فيقال لهم : وما أعلمكم أنهم قد بلغوا ؟ فيقولون : جاءنا نبينا بكتاب أخبرنا أنهم قد بلغوا فصدقناه، فيقال : صدقتم ». *
وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا الجعل إما متعد إلى مفعول واحد فحينئذ الموصول مع الصلة صفة للقبلة والمضاف محذوف يعين وما جعلنا تحويل القبلة التي كنت عليها وهي بيت المقدس، إما متعد إلى مفعولين ومفعوله الثاني محذوف أي ما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة، ويحتمل أن يكون القبلة مفعوله الأول والموصول مع الصلة بمعنى الجهة التي كنت عليها مفعوله الثاني والمراد بالموصول البيت المقدس، والمعنى ما جعلنا في سابق الزمان القبلة جهة التي كنت عليها يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وما جعلنا قبلتك في سابق الزمان بيت المقدس إلا لنعلم، ويحتمل أن يكون كنت عليها بمعنى أنت عليها الآن يعني الكعبة إلا لنعلم وقيل في تفسيره وما جعلنا القبلة الآن الجهة التي كنت عليها قبل الهجرة وي الكعبة، وهذا مبني على أنه صلى الله عليه وسلم كن يصلي قبل الهجرة إلى الكعبة، وهذا التأويل يستلزم النسخ مرتين ويخالف سياق قوله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا فإن المراد هناك بالموصول بيت المقدس لا غير، وكان القياس أن يقال وما جعلنا التي كنت عليها قبلة لكن قدم القبلة وجعل أول المفعولين للاهتمام به أو هو من باب القلب إلا لنعم من يتبع الرسول في الصلاة حيثما توجه بأمر الله تعالى ممن ينقلب على عقبيه فيرتد كما في الحديث إن القبلة لما حولت ارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية وقولوا رجع محمد صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائه، والعلم إما بمعنى المعرفة ومن يتبع الرسول مفعوله وممن ينقلب متعلق به أو هو متعلق في من معنى الاستفهام، أو يكون من مصولة معفوله الأول وممن ينقلب مفعوله الثاني أي نعلم من يتبع الرسول مميزا ينقلب، فإن قيل علم الله تعالى قديم فكيف يتصور غاية لتحويل القبلة ؟ أجيب عنه بوجوه : منها ما قال أهل المعاني إن اللام للتعليل لا لبيان الغاية وصيغة المضارع بمعنى الماضي كما في قوله تعالى : فلم تقتلون أنبياء الله * فالمعنى إلا لما لما علمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه يعني لما سبق في علمنا أن تحويل القبلة سبب لهداية قوم وضلالة آخرين، ومنها ما قيل إن المراد بالعلم التميز تسمية للمسبب باسم السبب والمعنى إلا لتميز المحق من المبطل، ومنه ما قيل إن المراد ليعلم رسولنا وألياؤنا حذف المضاف وأسند الفعل إلى نفسه مجازا كما مر في الحديث القدسي :«مرضت ولم تعدني »* إظهارا لشرفهم واختصاصهم وفي هذه التأويلات قول بالمجاز وتكلفات، والتحقيق ما قال الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله : إن المعنى إلا لنعلم كائنا موجودا ما قد علمنا أنه يكون ويوجد فالله سبحانه عالم في الأزل بكل ما أراد وجوده أنه يوجد في الوقت الذي شاء وجوده فيها، ولا يجوز أن يقال إنه عالم في الأزل بأنه موجود كائن في الحال لأنه ليس بموجود فكيف يعلمه موجودا كائنا على خلاف الواقع والتغير على المعلوم لا على العلم وهو المراد بما قيل في هذا وأشباهه أن المراد بالعلم تعلقه الحالي الذي هو مناط الجزاء ومعنى إلا لنعلم أي ليتعلق علمنا بوجزده وإن كانت لكبيرة إن مخففة من المثقلة واللام فاصلة بينها وبين الشرطية، قال سيبويه : إن تأكيد شبيه باليمين ولذلك دخلت اللام في جوابها، وقال الكوفيون : إن نافية واللام بمعنى إلا والضمير المرفوع راجع إلى ما دل عليه جعلنا القبلة من الجعلة أو إلى التحويلة أو إلى القبلة إلا على الذين هدى الله أي هداهم الله وما كان الله ليضيع إيمانكم أي ثباتكم على إيمانكم أو إيمانكم بالقبلة النسوخة، وقيل المراد بالإيمان الصلاة وذلك أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس عن كانت هدى فقد تحولتم عنها وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها ومن مات منكم عليها ؟ فقال المسلمون : إنما الهدى ما أمر الله به والضلالة ما نهى عنه، قالوا : فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا وقد كان مت قبل أن تحول القبلة أسعد بن زرارة من بني النجار والبراء بن معرور من بني سلمة وكانا من النقباء ورجال آخرون، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا رسول الله صرفك الله إلى قبلة إبراهيم عليه السلام فكيف بإخوننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال :«مات قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله الآية : إن الله بالناس لرءوف رحيم * قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص لرؤوف مشبعا على وزن شكور والآخرون على وزن فَعُلٌ، والرأفة أشد من الرحمة قدمه على الرحيم لرعاية الفواصل.
التفسير المظهري
المظهري