سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ١٤٢ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم ١٤٣ .
كان أنبياء بني إسرائيل يصلون إلى بيت المقدس وكانت صخرة المسجد الأقصى المعروفة هي قبلتهم، وقد صلى النبي والمسلمون إليها زمنا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتشوف لاستقبال الكعبة، ويتمنى لو حول الله القبلة إليها، بل كان يجمع بين استقبالها واستقبال الصخرة في مكة فيصلي في جهة الجنوب مستقبلا للشمال فلما هاجر منها إلى المدينة تعذر هذا الجمع فتوجه إلى الله تعالى بجعل الكعبة هي القبلة فأمره الله بذلك كما يأتي تفصيله في الآيات الآتية، وقد ابتدأ الكلام في هذه المسألة ببيان ما يقع من اعتراض اليهود وغيرهم على التحويل، وإخبار الله نبيه والمؤمنين به قبل وقوعه، وتلقينهم الحجة البالغة عليه، والحكمة السديدة فيه، ويتضمن هذا بيان سر من أسرار الدين وقاعدة عظيمة من قواعد الإيمان كان أهل الكتاب في غفلة عنها وجهل بها، فهذه الآيات متصلة بما قبلها في كونها محاجة لأهل الكتاب في أمر الدين لإمالتهم عن التقليد الأعمى فيه، والجمود على ظواهره من غير تفقه فيه ولا نفوذ إلى أسراره وحكمه التي لم تشرع الأحكام إلا لأجلها.
قال تعالى : وكذلك جعلنكم أمة وسطا وهو تصريح بما فهم من قوله والله يهدي من يشاء الخ أي على هذا النحو من الهداية جعلناكم أمة وسطا قالوا إن الوسط هو العدل والخيار وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة فهو شر ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر أي المتوسط بينهما. قال الأستاذ الإمام بعد إيراد هذا : ولكن يقال لم اختير لفظ الوسط على لفظ الخيار مع إن هذا هو المقصود والأول إنما يدل عليه بالالتزام ؟ والجواب من وجهين أحدهما : أن وجه الاختيار هو التمهيد للتعليل الآتي فإن الشاهد على الشيء لابد أن يكون عارفا به، ومن كان متوسطا بين شيئين فإنه يرى أحدهما من جانب وثانيهما من الجانب الآخر، وأما من كان في أحد الطرفين فلا يعرف حقيقة حال الطرف الآخر ولا حال الوسط أيضا، وثانيهما : أن في لفظ الوسط بالسببية فكأنه دليل على نفسه، أي أن المسلمين خيار وعدول لأنهم وسط، وليسوا من أرباب الغلو في الدين المفرطين، ولا من أرباب التعطيل المفرطين، فهم كذلك في العقائد والأخلاق والأعمال.
ذلك أن الناس كانوا قبل ظهور الإسلام على قسمين قسم تقضي عليه تقاليده بالمادية المحضة فلا هم له إلا الحظوظ الجسدية كاليهود والمشركين، وقسم تحكم عليه تقاليده بالروحانية الخالصة، وترك الدنيا وما فيها من اللذات الجسمانية، كالنصارى والصابئين وطوائف من وثنيي الهند أصحاب الرياضات.
وأما الأمة الإسلامية فقد جمع الله لها في دينها بين الحقين حق الروح وحق الجسد، فهي روحانية جسمانية، وإن شئت قلت أنه أعطاها جميع حقوق الإنسانية، فإن الإنسان جسم وروح، حيوان وملك. فكأنه قال جعلناكم أمة وسطا تعرفون الحقين، وتبلغون الكمالين لتكونوا شهداء بالحق على الناس الجسمانيين بما فرطوا في جنب الدين، والروحانيين إذا أفرطوا وكانوا من الغالين، تشهدون على المفرطين بالتعطيل القائلين : إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ( الجاثية : ٢٤ ) بأنهم أخلدوا إلى البهيمة، وقضوا على استعدادهم بالحرمان من المزايا الروحانية، وتشهدون على المفرطين بالغلو في الدين القائلين : إن هذا الوجود حبس للأرواح وعقوبة لها، فعلينا أن نتخلص منه بالتخلي عن جميع اللذات الجسمانية وتعذيب الجسد وهضم حقوق النفس، وحرمانها من جميع ما أعده الله لها في هذه الحياة تشهدون عليهم بأنهم خرجوا عن جادة الاعتدال، وجنوا على أرواحهم بجنايتهم على أجسادهم وقواها الحيوية، تشهدون على هؤلاء وهؤلاء، وتسبقون الأمم كلها باعتدالكم وتوسطكم في الأمور كلها، ذلك بأن ما هديتم إليه هو الكمال الإنساني الذي ليس بعده كمال، لأن صاحبه يعطي كل ذي حق حقه. يؤدي حقوق ربه، وحقوق نفسه، وحقوق جسمه، وحقوق ذوي القربى وحقوق سائر الناس.
ويكون الرسول عليكم شهيدا أي إن الرسول عليه الصلاة والسلام هو المثل الأكمل لمرتبة الوسط، وإنما تكون هذه لأمة وسطا باتباعها له في سيرته وشريعته، وهو القاضي بين الناس فيمن اتبع سنته ومن ابتدع لنفسه تقاليد أخرى أو حذا حذو المبتدعين، فكما تشهد هذه الأمة على الناس بسيرتهم وارتقائهم الجسدي والروحي بأنهم قد ضلوا عن القصد، يشهد لها الرسول بما وافقت فيه سنته وما كان لها من الأسوة الحسنة فيه، بأنها استقامت على صراط الهداية المستقيم، فكأنه قال : إنما يتحقق لكم وصف الوسط إذا حافظتم على العمل بهدي الرسول واستقمتم على سنته، وأما إذا انحرفتم عن هذه الجادة فالرسول بنفسه ودينه وسيرته حجة عليكم بأنكم لستم من أمته التي وصفها الله في كتابه بهذه الآية وبقوله كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ( آل عمران : ١١٠ ) الخ. بل تخرجون بالابتداع من الوسط وتكونون في أحد الطرفين كما قال الشاعر وقد استشهد به الزمخشري في التفسير الآية :
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت*** بها الحوادث حتى أصبحت طرفا
" الأستاذ الأمام " : يقال إن هذا خبر عظيم بمنحة جليلة، ومنة بنعمة كبيرة، فلم جيء به معترضا في أطوار الكلام عن القبلة، ولم يجئ ابتداء أو في سياق تعداد الآلاء والنعم ؟ والجواب أن الله تعالى علم أن الفتنة بمسألة القبلة ستكون عظيمة، وأن سيقول أهل الكتاب إن محمدا ليس على بينة من ربه لأنه غير قبلته، ولو كان الله هو الذي أمره بالصلاة إلى بيت المقدس لما نهاه عنه ثانيا وصرفه عن قبلة الأنبياء. ويقول المنافقون إنه صلى أولا إلى بيت المقدس استمالة لأهل الكتاب ودهانا لهم، ثم غلب عليه حب وطنه وتعظيمه فعاد إلى استقبال الكعبة، فهو مضطرب في دينه. وأمثال هذه الشبهات على كونها تدل على عدم الاعتدال في أفكار قائليها تؤثر في نفوس المسلمين. فالمطمئن الراسخ في الإيمان يحزن لشكوك الناس وتشكيكهم في الدين، والضعيف غير المتمكن ربما يضطر ويتنازل. لذلك بدأ الله بإخبار المسلمين بما سيكون بعد تحويل القبلة من إثارة رياح الشبه والتشكيك، ولقنهم الحجة، وبين لهم ما فيها من الحكمة، وبين لهم منزلتهم من سائر الأمم وهي أنهم أمة وسط لا تغلو في شيء، ولا تقف عند الظواهر، وأنهم شهداء على الناس وحجة باعتدالهم في الأمور كلها، وفهمهم لحقائق الدين وأسراره، ومن أهمها أن القبلة التي يتوجه إليها لا شأن لها في ذاتها، وإنما العبرة فيها باجتماع أهل الملة على جهة واحدة وصفة واحدة عند التوجه إلى الله تعالى.
ولما كانت نسبة الجهات إليه سبحانه وتعالى واحدة إذ لا تحصره ولا تحدده جهة كان التزام الجهة المعينة منها لغير مجرد الإتباع لأمر الرسول عن الله تعالى ميلا مع الهوى أو تخصيصا بغير مخصص، وكلاهما مما لا يرضاه لنفسه العاقل المعتدل في أمره. نعم إن له أن يسأل عن حكمة التحول والانتقال لاسيما بعد ما ثبت بالواقع أن الرسول الذي أمر به لم يأمر إلا بما ظهرت فائدته ومنفعته للممتثلين له من إصلاح النفوس وحملها على الخير وتوجيهها إلى البر مما دل عليه أنه مؤيد من الله تعالى. وجملة القول أن إعلام الله رسوله والمؤمنين بما سيكون من الكافرين والمنافقين، وتلقينه إياهم الحجة، وإنزالهم منزلة الشهداء والمحكمين، ثم تبيينه لهم حكمة التأويل، كان مؤيدا ومسددا لهم ونورا يسعى بين أيديهم في ظلمة تلك الفتنة المدلهمة، ولعمري أن هذه هي البلاغة التي لا غاية ورائها إعلام بما سيكون من اضطراب السفهاء في أقوالهم أشير إليه بالاستفهام مجملا، ولم يذكر معه وجه الشبهة حتى لا تسبق إلى النفوس، والغرض إقامة الموانع من تأثير عند ورودها من أربابها واختصار للبرهان ببيان أن المشرق والمغرب كسائر الجهات لله تعالى، أي يخصص منها ما شاء فيجعله قبلة لمن شاء وبيان لمكانة الأمة المحمدية التي أعطيت كل أصل ديني بدليله وحكمته، وكفلت العدل والاعتدال في الأمر كله، أي فلا يليق بها أن تبالي بانتقاد السفهاء المذبذبين بين الإفراط والتفريط.
وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه أي وما جعلنا القبلة فيما مضى هي الجهة التي كنت عليها إلى اليوم ثم أمرناك بالتحول عنها إلى الكعبة إلا ليتبين لك وللمؤمنين الثابت على إيمانه ممن لا ثبات له، فتعلموا المتبع للرسول من المنقلب على عقبيه، برجوعه إلى الكفر الذي كان عليه، أو إلا ليكون علمنا الغيبي بحقيقة أمرهما ومآلهما علم الشهادة بوقوع متعلقه، وهو الذي يترتب عليه الجزاء. أي أن الله تعالى يختبر المؤمنين بما يظهر به صدق الصادقين، وريب المرتابين، وعاقبة المنافقين، ليرتب عليه الجزاء. وإنما يثبت من فقه في الشيء فعرف سره وحكمته، وأما المقلد الآخذ بالظواهر من غير فقه ولا عرفان والمنافق غير المطمئن بالإيمان، فلا يثبتان في مهاب عواصف الشكوك والشبهات وقال مفسرنا الجلال : وما صيرنا القبلة لك الآن الجهة التي كنت عليها أولا وهي الكعبة الخ وهو مبني على قول الأقلين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي أولا إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس، فيكون النسخ قد حصل مرتين، والأكثرون على أن المراد بالقبلة التي كان عليها بيت المقدس.
قال بعض المحققين إن هذه الجملة من قبيل وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ( الإسراء : ٦٠ ) فالرؤيا لم تكن بنفسها فتنة وإنما افتتن الناس إذ أخبروا بها ولم يفقهوا المراد منها. كذلك القبلة ليس في جعل جهة كذا قبلة فتنة واختبارا للناس، وإنما الفتنة فيما ترتب على ذلك من حيث كونه صرفا عن قبلة إلى غيرها، فالسفهاء والجهال الذين لا يفقهون ينكرون هذا التحويل ويرونه أمرا إدا(١)، والذين هداهم الله إلى فقه ذلك يرونه أمرا حكيما جدا، ولذلك قال تعالى : وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله فمنحهم الاعتدال في الفكر والإدراك وفي الميل والرغبة. قاله الأستاذ الإمام. ثم قال ما مثاله موضحا : قوله تعالى : لنعلم معهود في القران الكريم كثيرا، ومثله ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم " الجن : ٢٧ " وقوله ليعلم الله من يخافه " المائدة : ٩٤ " والعقل والنقل متفقان على أن علمه تعالى قديم لا يتجدد، وللمفسرين في هذه الألفاظ أقوال ذكر الأستاذ الإمام أظهرها فقال ما مثاله : جرت عادة العرب في لغتها أن تنسب إلى الرئيس والكبير ما يحدث بأمره وتدبيره، يقولون فتح الأمير البلد وقاتل الجيش. وكثيرا ما يقولون هذا والأمير ليس واحدا من العاملين، فهو أسلوب معهود إذا أريد إسناد الفعل على الجمهور أسندوه على المقدم فيهم. ولما كان الله تعالى ولي الذين آمنوا وخاطبهم خطاب السيد صح بحسب هذا الأسلوب العربي أن يذكر الفعل بصيغة الجمع التي تشمل المتكلم وغيره وإن كان غيره هو المقصود بالفعل، فمعنى إلا لنعلم إلا ليعلم عبادي المؤمنون بإعلامي إياهم.
وقد علم المؤمنون في هذه الفتنة من هو الثابت على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ومن هو المنافق الذي قلبته ريح الشبهة على عقبيه، وكان المنافقون مع المؤمنين بحيث لا يمتاز أحدهم من الآخر لقيامهم جميعا بأداء الأعمال الظاهرة المطلوبة. وهكذا كان سبحانه تعالى يمحص ما في القلوب بما يبتلي به الناس من الفتن أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون ؟ ( العنكبوت : ٢ ) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ( العنكبوت : ٣ ) وعلى هذا الأسلوب جاء ما روي في الحديث القدسي ( يا عبدي مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني، وعطشت فلم تسقني ) (٢) خرجوه على أن المراد مرض عبادي الفقراء الذين هم عيال الله(٣) فلم تعدهم الخ. نعم إن الرواية غير صحيحة، ولكن لم يفهم أحد منها أنها على ظاهرها لقطع العقل بأن هذا محال، ولقوله تعالى : ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعموني ( الذاريات : ٥٧ ) وقالت العرب :" إني جائع في بطن غيري وعريان في ظهر غيري " : ويدخل في هذا الأسلوب أيضا مثل قوله تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ( البقرة : ١٣٤ ) أي يعطي عباده المحتاجين، والله يكافئه عنهم إذا كانوا عاجزين.
وثم وجه آخر في تفسير لنعلم وهو أن المراد بالعلم في مثل هذا علم الظهور والوقوع. ذلك أن الل
٢ أخرجه أحمد في المسند ٢/٤٠٤، بلفظ: (مرضت فلم يعدني ابن ادم)
.
٣ أخد الأستاذ هذا المعنى من الحديث النبوي: (الناس كلهم عيال). أخرجه مسلم في الحديث ١٢، ومن حديث: (أما العيال فإلى الله ورسوله) أخرجه أحمد في المسند ٢/٣٠٧.
.
تفسير المنار
رشيد رضا