ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

وكذلك جعلناكم أمة وسطا
تفسير المفردات :
الوسط العدل والخيار، والزيادة على ذلك إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير. وكلاهما مذموم، والفضيلة في الوسط كما قيل :

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم
يقال انقلب على عقبيه عن كذا إذا انصرف عنه بالرجوع إلى الوراء وهو طريق العقبين ؛ الرأفة رفع المكروه وإزالة الضرر، والرحمة أعم إذ تشمل دفع الضرر، وفعل الإحسان.
المعنى الجملي
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمكة يستقبل الصخرة التي في المسجد الأقصى ببيت المقدس في الصلاة، كما كان أنبياء بني إسرائيل قبله يفعلون ذلك، ولكنه كان يحب استقبال الكعبة ويتمنى لو حول الله القبلة إليها، ومن ثم كان يجمع بين استقبالها واستقبال الصخرة، فيصلي جهة جنوب الكعبة مستقبلا الشمال.
فلما هاجر إلى المدينة صلى مستقبلا بيت المقدس فحسب لتعذر الجمع بينهما، وبقي على ذلك ستة عشرة شهرا كان في أثنائها يتوجه إلى الله أن يجعل الكعبة هي القبلة لأنها قبلة أبيه إبراهيم فأمره الله بذلك ونزل قوله : قد نرى تقلب وجهك في السماء إلخ فقال اليهود والمشركون والمنافقون : ما الذي دعاهم إلى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ؟
وقد بدأ الكلام بما سيقع من اعتراضهم على التحويل، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم به قبل وقوعه، ولقنه الحجة البالغة والحكمة فيه، ليوطن نفسه عليه، فإن مفاجأة المكروه أشد إيلاما، والعلم به قبل وقوعه يبعد القلق عن النفس، وليعد الجواب قبل الحاجة إليه، والجواب المعد أقطع لحجة الخصم، وقد قالوا في أمثالهم ( قبل الرمي يراش السهم ) وليكون الوقوع بعد الإخبار به معجزة له صلى الله عليه وآله وسلم.
ويتضمن هذا الجواب سرا من أسرار الدين كان أهل الكتاب في غفلة عنه وجهل به، وهي أن الجهات كلها لله، فلا فضل لجهة على أخرى، فلله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة منها ويجعلها قبلة، وعلى العبد أن يمتثل أمر ربه ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله
الإيضاح :
أي وقد جعلنا المسلمين خيارا وعدولا، لأنهم وسط فليسوا من أرباب الغلو في الدين المفرطين، ولا من أرباب التعطيل المفرطين.
وقد كان الناس قبل الإسلام قسمين : مادي لا هم له إلا الحظوظ الجثمانية كاليهود والمشركين، وقسم تحكمت فيه تقاليده الروحانية الخالصة وترك الدنيا وما فيها من اللذات الجسمية، كالنصارى والصائبة وطوائف من وثني الهنود أصحاب الرياضات.
فجاء الإسلام جامعا بين الحقين حق الروح وحق الجسم، وأعطى المسلم جميع الحقوق الإنسانية، فالإنسان جسم وروح، وإن شئت فقل : الإنسان حيوان وملك، فكماله بإعطائه الحقين معا.
لتكونوا شهداء على الناس أي لتشهدوا على الماديين الذين فرطوا في جنب الله، وأخلدوا إلى اللذات : وحرموا أنفسهم من المزايا الروحية، وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وتشهدوا على من غلا في الدين وتخلى عن جميع اللذات الجثمانية وعذب جسمه، وهضم حقوق نفسه، وحرمها من جميع ما أعده الله لها في هذه الحياة، فخرجوا بها عن جادة الاعتدال، وجنى على روحه بجنايته على جسمه، تشهدون على هؤلاء وهؤلاء وتكونون سابقين للأمم جميعا باعتدالكم وتوسطكم في جميع شؤونكم، وذلك هو منتهى الكمال الإنساني الذي يعطي كل ذي حق حقه، فيؤدي حقوق ربه، وحقوق نفسه، وحقوق جسمه، وحقوق ذوي القربى، وحقوق الناس جميعا.
( ويكون الرسول عليكم شهيدا ) إذ هو المثل الأعلى لمرتبة الوسط، فنحن إنما نستحق هذا الوصف إذا اتبعنا سيرته وشريعته، وهو الذي يحكم على من اتبعها، ومن حاد عنها وابتدع لنفسه تقاليد أخرى، وانحرف عن الجادة، وحينئذ يكون الرسول بدينه وسيرته حجة عليه، بأنه ليس من أمته التي وصفها الله في كتابه بقوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وبذلك يخرج من الوسط ويكون في أحد الطرفين.
وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ أي وما جعلنا القبلة فيما مضى هي الجهة التي كنت عليها إلى اليوم، ثم أمرناك بالتحول عنها إلى الكعبة إلا ليتبين الثابت على إيمانه ممن لا ثبات له، فهو عرضة لرياح الشبهات، تطير به وتغدو وتروح.
والخلاصة – إن الله يختبر المؤمنين بما يظهر به صدق الصادقين، وريب المرتابين، فيثبت من فقه الدين وعرف سره وحكمته، وتتخطف الشبهات والشكوك من أخذ الدين تقليدا من غير فقه ولا عرفان، وهكذا سبحانه يختبر ما في القلوب بما يبتلى به الناس من الفتن كما قال : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين .
وقد جاء في الكتاب الكريم ( لنعلم – وليعلم ) وعلم الله تعالى قديم لا يتجدد، ومن ثم قال العلماء : المراد بالعلم في مثل هذا علم الظهور والوقوع، ذلك أنه يعلم الأشياء قبل وقوعها أنها ستقع، ويعلمها بعد وقوعها أنها وقعت، ويترتب على ذلك الجزاء من ثواب وعقاب.
وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ أي وكانت القبلة المحولة شاقة ثقيلة على من ألف التوجه إلى القبلة الأولى، فإن الإنسان ألوف لما يتعوده ويثقل عليه الانتقال منه، إلا على الذين هداهم الله بمعرفة أحكام دينه وسر شريعته، فعلموا أن العبد باستقبالها إنما يكون بطاعة الله بها، لا بسر في ذاتها أو مكانها، وأن الحكمة في اختيار قبلة ما، هو اجتماع الأمة عليها، وهو من أسباب اتحادهم وجمع كلمتهم.
( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) أي وما كانت حكمة الله ورحمته تقتضي بإضاعة إيمانكم الباعث لكم على اتباع الرسول في الصلاة وفي القبلة، فلو كان تحويل القبلة مما يضيع الإيمان بتفويت ثواب كان قبله لما حولها، وفي هذا بشرى للمؤمنين المتتبعين للرسول بأن الله يجزيهم الجزاء الأوفى، ولا يضيع أجرهم ولا ينقصهم منه شيئا.
ثم ذكر سبب ما تقدم بقوله :
( إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) أي إن الله رءوف بعباده، لأنه ذو الرحمة الواسعة، فلا يضيع عمل عامل منهم، ولا يبتليهم بما يظهر صدق إيمانهم وإخلاصهم ليضيع عليهم هذا الإيمان والإخلاص، بل ليجزيهم أحسن الجزاء.
والخلاصة – إنه لا يكتفي بدفع البلاء عنهم برأفة، بل يعاملهم بعد ذلك بالرحمة الواسعة والإحسان الشامل، ويزيدهم من فضله.
المعنى الجملي :
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتشوق لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ويقع في روعه أن ذلك كائن، لأن الكعبة قبلة أبيه إبراهيم، وقد جاء بإيحاء ملته وتجديد دعوته، ولأنها أقدم القبلتين، ولأن ذلك أدعى إلى إيمان العرب، وهم الذين عليهم المعول في إظهار الدين، لأنهم أكثر الناس استعدادا لقبوله، ولأنها كانت مفخرة لهم وأمنا ومزارا ومطافا، ولأن اليهود كانوا يقولون : ويخالفنا في ديننا ويتبعنا في قبلتنا، ولولا ديننا لم يدر أين يستقبل القبلة، فكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبلتهم حتى روي أنه قال لجبريل : وددت لو أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي كان يرجوه، فأنزل الله هذه الآيات

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير