ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

قوله تعالى :" الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ " فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده، وفي الألف واللام حينئذ وجهان :
أحدهما : أن تكون للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه الرسول - عليه السلام - أو إلى الحق الذي في قوله :" يَكْتُمُونَ الْحَقَّ " أي : هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك، وأن تكون للجنس على معنى الحق من الله لا من غيره.
الثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : هو الحق من ربك، والضمير يعود على الحق المكتوم أي : ما كتموه هو الحق.
الثالث : أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره : الحق من ربك يعرفونه، والجار والمجرور على هَذَين القولين في محلّ نصب على الحال من " الحَقّ "، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر في الوجه الثاني.
وقرأ علي٥ بن أبي طالب :" الحقَّ مِنْ رَبِّك " نصباً، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منصوب على البدل من الحق المكتوم، قاله الزمخشري٦.
الثاني : أن يكون منصوباً بإضمار " الذم "، ويدل عليه الخطاب بعده في قوله :" فَلاَ تَكُونَنَّ ".
الثالث : أنه يكون منصوباً ب " يعلمون " قبله، وذكر هذين الوجهين ابن عطية، وعلى هذا الوجه الأخير يكون مما وقع فيه الظاهر موضع المضمر، أي : وهم يعلمونه كائناً من ربك، وذلك سائغ حسن في أماكن التفخيم والتهويل نحو :[ الخفيف ]
٨٣٧ - لاَ أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ ***. . . ٧
والنهي عن الكون على صفة أبلغ من النهي عن نفس الصفة، فلذلك جاء التنزيل عليه : نحو فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [ الأنعام : ٣٥ ] دُونَ : لا تمتر ولا تجهل ونحوه وتقرير ذلك أن قوله :" لا تكن ظالماً " نهي عن الكون بهذه الصفة، والنهي عن الكون على صفة أبلغ من النهي عن تلك الصفة ؛ إذ النهي عن الكون على صفة يدلّ على عموم الأكوان المستقبلة عن تلك الصفة، والمعنى لا تظلم في كل أكوانك، أي : في كل فرد فرد من أكوانك فلا يمرّ بك وقت يوجد منك فيه ظلم، فيصير كأن فيه نصاً على سائر الأكوان، بخلاف : لا تظلم، فإنه يستلزم الأكوان، وفرق بين ما يدلّ دلالة بالنص وبين ما يدل دلالة بالاستلزام و " الامتراء " : افتعال من المِرْيَة وهي الشك، ومنه المراء. قال :[ الطويل ]
٨٣٨ - فَإِيَّاكَ إِيَّاكَ الْمِرَاءَ فَإِنَّهُ *** إِلَى الشَّرِّ دَعَّاءٌ وَلِلشَّرِّ جَالِبُ٨
و " ماريته " : جادلته وشاكلته فيما يدعيه، و " افتعل " فيه بمعنى " تفاعل "، يقال : تماروا في كذا، وامتروا فيه نحو : تجاوروا، واجتوروا.
وقال الراغب٩ : المِرْيَة : التردّد في الأمر، وهي أخَصُّ من الشَّك، والامتراء والمماراة المُحاجَّةُ فيما فيه مِرْية، وأصله من مَرَيْتُ النَّاقة إذا مَسحتَ ضَرْعَها للحَلْب.
ففرق بين المِرْية والشَّك كما ترى، وهذا كما تقدم له الفرق بين الرّيب والشَّك، وأنشد الطبري قول الأعشى :[ الطويل ]
٨٣٩ - تَدُرُّ عَلى أَسْؤُقِ المُمْتَرِي *** نَ رَكَضاً إِذَا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنْ١٠
شاهداً على أن الممترين الشاكون.
قال : ووهم في ذلك ؛ لأن أبا عبيدة وغيره قالوا : الممترون في البيت هم الذين يمرُّون الخيل بأرجلهم هَمْزاً لتجري كأنهم يَتَحلبون الجري منها.
[ فصل فيمن نزلت فيه الآية
قوله : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ قال الحسن : من الذين علموا صحة نبوتك وإن بعضهم عاندوكم١١.
وقيل : بل يرجع إلى أمر القبلة.
وقيل : بل يرجع إلى صحة نبوته وشرعه، وهو أقرب ؛ لأن أقرب مذكور إليه قوله :" من ربك " ؛ وظاهره يقتضي النبوة، فوجب أن يرجع إليه، ونهيه عن الامتراء لا يدلّ على أنه كان شاكاً فيه كما تقدم القول في هذه المسألة ]١٢.

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية