وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً أصناما أو رؤساءهم الذين كانوا يطيعونهم أو ما هو أعم منهما يعني كل ما كان مشغلا عن الله تعالى مانعا عن امتثال أوامره يحبونهم يعظمونهم ويطيعونهم كحب الله كتعظيم الله أي يسوون بينه وبينهم في المحبة والطاعة والمحبة ميل القلب كذا قال الزجاج، أو معنى يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله تعالى والذين آمنوا أشد حبا لله من حب الكافرين آلهتهم لأنه لا ينقطع محبة المؤمنين ولا يعرضون من الله تعالى في السراء والضراء والشدة والرخاء بخلاف الكفار فإن محبتهم لأغراض موهومة فاسدة تزول بأدنى سبب لذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم عند الشدائد إلى الله تعالى ويعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه إلى غيره، قال سعيد بن جبير إن الله عز وجل يأمر يوم القيامة من أحرق نفسه في الدنيا على رؤية الأصنام أن يدخلوا جهنم مع أصنامهم فلا يدخلون ثم يقول للمؤمنين بيدي يدي الكافرين إن كنتم أحبائي فادخلوا جهنم فيقتحمون فيها وينادي منادي من تحت العرش والذين آمنوا أشد حبا لله قلت : ويمكن أن يكون المعنى والذين آمنوا أشد حبا لله من حب كل أحد لكل أحد لأن محبتهم فيما بينهم إما لتوقع جلب منفعة أو دفع مضرة أو لالتذاذ يحصل برؤية الجمال أو لانتسابهم إلى أنفسهم بالبنوة أو الأبوة فهي في الحقيقة محبة لأنفسهم لا للمحبوبين ومن ثم ترى زوالها بزوال تلك الأسباب، ثم الكفار منهم اقتصر نظرهم على الحظوظ العاجلة ولا يعرفون لله سبحانه إلا وجودا موهوما وينسبون المنافع والمضار إلى العباد أو الكواكب أو أسماء سموها هم وآباؤهم فيحبونهم كحب الله أو أشد منه، والذين يدعون الإسلام من أهل الأهواء كالمعتزلة والروافض والخوارج فلاعتقادهم بالمنافع والمضار المختصة بالدار الآخرة واعترافهم بأن مالك يوم الدين هو الله الواحد القهار يحبون الله تعالى أشد من حبهم لغيره تعالى حيث يزعمون أن منافعهم ومضارهم مختصة بالدنيا، ومن اختار الدنيا على الآخرة منهم فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه فلا كلام فيه فهؤلاء الناس مشركون غيره تعالى به في أصل الحب المبني على إيصال النفع والضرر المبني على اعتقادهم بأن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله تعالى، فهم بسبب اقتدارهم بقاذورات الفلاسفة أكفاء للمشركين ومجوس في هذه الأمة، وأما أهل السنة والجماعة فلاعتقادهم بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وأن الله تعالى هو الضار النافع دون غيره فكما أنهم لا يعبدون غير الله تعالى كذلك لا يحمدون غيره إلا بنوع من التجوز بإذنه وأمره وكذلك لا يحبون غيره تعالى إلا لله تعالى فحمدهم وحبهم كلها راجعة إلى الله تعالى إنما الحب الحب لله وإنما البغض البغض لله غير أن حب عامتهم راجع إلى أغراض صحيحة أخروية مرضية لله تعالى، وأما أهل التحقيق منهم وهم الصوفية العلية الرضية فكل حب مبني على خوف أو طمع دنيوي أو أخروي لا يسمونه حبا، بل الحب عندهم نار يشتعل في قلوب المحبين تحرق ما سوى المحبوب لا تبقي ولا تذر حتى تسقط عن نظر بصيرته نفسه فكيف ينظر نفعه وضره وما سواه هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا نعم رب قد أتى على الإنسان حين مستمر من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ولا محظورا، والسر في ذلك أن أقرب الأشياء عنده العوام أنفسهم فهم لا يحيون إلا أنفسهم أو لأحل أنفسهم وأما المحققون فأقرب الأشياء إليهم هو الله سبحانه الذي قال : ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون أيها العوام فهم لا يحبون أحدا إلا الله سبحانه ويحبون أنفسهم لأجله تعالى لا بالعكس ويحبون كل محبوب لأجله تعالى وأولئك هم الصادقون في دعوى المحبة الذاتية، وإذا بلغت المحبة إلى هذه المثابة يكون إيلام المحبوب عندهم كإنعامه بل أحلى وألذ في إيلامه إخلاص ما ليس في إنعامه، وهؤلاء هم الذين يقال لهم يوم القيامة بين يدي الكافرين إن كنتم أحبائي فادخلوا جهنم فيقتحمون فيها وينادي مناد من تحت العرض والذين آمنوا أشد حبا لله ، أليس تعلم أنه من كان يعبد الله تعالى خوفا ؛ من جهنم وطمعا في الجنة كيف يختار النار المؤبدة ابتغاء مرضات الله ولا يتصور ذلك إلا من له محبة ذاتية وهو حامل أمانة الله التي وحملها الإنسان إنه كن ظلوما جهولا ولو يرى قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالتاء على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لك مخاطب ومفعوله بعده، وقر أ الباقون بالياء وفاعله ضمير السامع يعني لو يرى السامع أو فاعله بعده الذين ظلموا باتخاذ الأنداد وحبهم كحب الله ومفعوله محذوفي يعني أنفسهم إذ يرون الكفار العذاب يوم القيامة، قرأ ابن عامر بضم الياء على النباء للمفعول والباقون بالفتح، وجواب لو محذوف يعني لرأيت أمرا فظيعا عظيما، أو لندموا ندامة شديدة، وفائدة الحذف أن لو إذا جاء فيما يشوق إليه أو يخوف منه فيحذف الجواب هناك يذهب القلب فيه كل مذهب ويستقاد منه كمال الشوق أو كمال الفظع، ولو إذ تدخلان عى الماضي إنما دخلتا على المستقبل لأن في أخبار الله تعالى المستقبل كالماضي في التحقق أن يعني لأن القوة الغلبة لله جميعا حال وأن الله شديد العقاب أي شديد عذابه يتعلق بالجواب المحذوف على قراءة العامة، وقرأ أبو جعفر ويعقوب أن القوة لله جميعا وأن الله بكسر الهمزة في أن في الجملتين فهذا استئناف والكلام قد تم عند قوله : إذ يرون العذاب ويحتمل على قراءته ولو يرى الذين ظلموا على الغيبة أن يكون الرؤية بمعنى الرؤية القلبية والذين ظلموا فاعله وأن القوة إلى آخره ساد مسد مفعولية، والمعنى ولو يعلم الذين ظلمواا حين يرون العذاب والمصائب في الدنيا أن القوة لله جميعا وأن الله تعالى هو الضار والنافع وأن أفعال العباد لم يجد إلا بقدرته ومشيئته وخلقه وأن الله شديد العذاب في الدنيا والآخرة لا مانع لما يعطيه ولا معطي لما منعه ولا راد لقضائه أحد كما يعلم المؤمنون لما اتخذوا أندادا وما أحبوا غير الله تعالى كالمؤمنين، أو المعنى لو يعلم الذين ظلموا أن القوة لله جميعا حين يرون العذاب يوم القيامة لندموا أشد ندمة، ويحتمل أن يكون أن القوة لله جميعا جواب لو والمعنى ولو يرى الذين ظلموا أندادهم لا ينفع لعلموا أن القوة لله جميعا.
التفسير المظهري
المظهري