في الأرض وفيها أثر أيدي البشر، حتى يكون على النسق، قيل إن إيجاد البحر مقدم على إيجاد الأمطار والرياح والسحاب، فكل ذلك إنما ينشأ عن البحار الساطع من رطوبة البحار ويبوسة الأرض، وذلك مبين في كتب المعنيين بمعرفة هذه الصنعة، ولما لم يكن فرق بين أن يقال: (والفلك التي تجري في البحر) وبين أن يقال: (والبحر الذي تجري فيه الفلك) في أن القصد الأول بالآية أن يعرف منفعة البحر وإن أخر في اللفظ، وقدم ذكر الفلك التي هي من صنعتنا، ونحن بصنعتنا أعرف منا بصنعته.
قدم ذكر الفلك لننظر منها إلى أثار الله تعالى، وقال بعض الناس:
لم يعن بالفلك والبحر المحسوسين فقط، بل عنى بالبحر كل شبها وحيرة ومشقة، وبالفلك ما فيه إيقاد البشر من فائض النور والعقل أمدهم به، وغير ذلك من المعادن المعقولات والمحسوسات، وقد تقدم أن من الناس من قال: الإشارة بالماء في نحو هذه المواضع إلى العلوم التي بها الحياة الأبدية وما في الأرض إلى النفوس التي بها تحيا الحياة الأبدية، ولما ذكر الله تعالى في الآية الأولى:
) وإلهكم إله واحد) جعل هذه الآية دلالة عليه تنبيها أن كل موجود لا ينفك من أن يكون مكوناً غير مكون، أو مكوناً من وجه مكوناً من وجه أو مكوناً وغير مكون، ومحال أن يكون كل مكون مكوناً لأن ذلك يؤدي إلى ما لا يتناهى، فإذن لابد أن تنتهي الموجودات إلى مكون غير مكون، وذلك هو الباري- عز وجل-، فنبه أن أثر الصنعة موجود في هذه الأشياء، فلابد أن تكون مكونة، وهذا هو الدلالة على وحدانيته علي طريق الجملة..
قوله - عز وجل -:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ
الآية (١٦٥) - سورة البقرة.
الند: المثل في الجوهر، وقد تقدم، والحب أصله من الحب، وبه شبه حبة القلب وحبيبه يقال على وجهين، أحدهما: أصبت حبة قلبه، نحو كبدته وفادته، والثانية أصبته بحبة القلب، نحو: رمحته وعنيته، أصبته بالعين، فقولك: حببته وأحببته هو في اللفظ فعل، وفي الحقيقة قد يكون انفعالاًَ، لأن المحب يكون منفعلاً للمحبوب، وإذا أستعمل في الله تعالى فقيل: " أحب الله فلاناً "، فليس إلا على
سبيل الفكر والمعنى: أصاب الله تعالى حبة قلبه، فجعلها لنفسه مصونة عن الهوى والشيطان وسائر أعداء الله، والمحبة إرادة ما تراه أو تظنه خيراً، وهي أربعة أضرب بحسب أعراض الناس في أمورهم، اللذة، والنفع، والخير المحض، والمركب من اللذة، والنفع [لمحبة المغني له والمغني بعضهما لبعض]، وكل محبة ينقطع سببها انقطعت بانقطاعها، ولما كانت الشهوات البدنية والمنافع الدنيوية منقطعه، فالحب الذي يجلبانه منقطع لا محالة بانقطاعهما، ولما كان الخير المحض باقياً، كان الحب الذي يجلبه باقية ببقائه، ولما بين تعالى توحيده والدلالة عليه ذكر بعد أن مع ظهور الآيات المنبئة عنها من الناس من يتخذ نداً لنفسه بحبه، ويراعيه مراعاة الله تعالى ثم نبه بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ أن محبتهم لأندادهم منقطعة، فإن أسبابها المقتضية لها منقطعة، ومحبة المؤمنين له دائمة، إذ هو دائم والند المشار سواء كان صنماً معبوداً أو رئيساً مخدوماً، أو مالاً منعقداً، أو إنساناً معشوقاً، فإن كل ذلك محبوب لن يراعيه من وجه ومعبود من وجه ثم بين بقوله: (ولو ترى) ما أعد هم من العذاب الأليم، فإذا قرئ بالياء، فإن ما بعده هو مفعول يرى وجواب " لو " محذوف، وقيل: إن القوة مفعول الفعل المحذوف الذي هو جواب، كأنه قيل: لرأوا أن القوة لله جميعاً، وإذا قرئ
بالتاء، فخطاب النبي على طريق التعظيم، ومعناه: أنك مع علمك بأحوال القيامة لو رأيت لتعجبت، وقوله: أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، قيل: هو بدل من الذين، وهو ضعيف وقيل: هو مفعول الفعل المقدر للجواب، وقيل: تقديره: لأن، وقد قرئ إن مكسورة ولا يكون إلا علة والمفعول محذوف.
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار