قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ ، يعني : الأَتْبَاع : لَوْ أَنْ لنَا كَرَّةً أي : رجعةً إلى الدُّنيا، والكرَّةُ : العودَة، وفِعْلُها كَرَّ يَكُرُّ كَرّاً ؛ قال القائل في ذلك :[ الوافر ]
٨٨٤ - أَكُرُّ عَلَى الْكِتيبَةِ لاَ أُبَالِي *** أَفِيهَا كَانَ حَتْفِي أَمْ سِوَاهَا(١٦)
قوله تعالى :" فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ " منصوبٌ بعد الفاءِ ب " أنْ " مضمرة في جواب التمنِّي الَّذي أُشْرِبَتْهُ " لَوْ " ولذلك أجيبت بجواب " لَيْتَ " الذي في قوله : يا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً [ النساء : ٧٣ ] وإذا أُشْرِبَتْ معنى التمنِّي، فهلْ هي الامتناعيَّةُ المفتقرة إلى جوابٍ، أم لا تحتاجُ إلى جوابٍ.
الصحيحُ : أنها تحتاجُ إلى جوابٍ، وهو مقدّر في الآية الكريمة تقديرُهُ تَبَرَّأْنَا ونحو ذلك، وأَمَّا مَنْ قال بأنَّ " لَو " الَّتي للتمنِّي لا جوابَ لها ؛ فاستدَلَّ بقول الشَّاعر :[ الوافر ]
٨٨٥ - وَلَوْ نُبِشَ المَقَابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ *** فَيُخْبَرَ بالذَّنائِبِ أَيُّ زِيرِ(١٧)
وهذا لا يدلُّ فإنَّ جوابها في البيتِ بعده، وهو قوله [ الوافر ]
٨٨٦ - بِيَوْمِ الشَّعْثَمَين، لَقَرَّ عَيْناً *** وَكَيْفَ لِقَاءُ مَنْ تَحْتَ الْقُبُورِ(١٨)
واستدلَّ أيضاً بأنَّ " أَنْ " تُفْتَحُ بعْد " لَوْ " ؛ كما تفتحُ بَعْد لَيْتَ في قوله [ الرجز ]
٨٨٧ - يَا لَيْتَ أَنَّا ضَمَّنَا سَفِينَهْ *** حَتَّى يَعُودَ الْبَحْرُ كَيَّنُونَهْ(١٩)
وها هنا فائدة ينبغي أنْ يُنْتَبَهَ لها، وهيَ : أَنَّ النُّحاة قالُوا : كلُّ موضعٍ نُصِبَ فيه المضارعُ بإضمار " أنْ " بعد الفَاءِ [ إذا سقَطَتِ الفاءُ، جزم إلاَّ في النَّفسِ، ينبغي أن يزاد هذا الموضع أيضاً ؛ فيقال : و " إلاَّ " في جواب التَّمَنِّي ب " لَوْ " ؛ فإنَّه ينصب المضارع فيه بإضمار " أَنْ " بعد الفاء الواقعة جواباً له، ومع ذلك، لو سَقَطَتْ هذه الفاءُ ](٢٠) لم يُجزم.
قال أَبُو حَيَّانَ(٢١)والسَّبب في ذلك : أَنَّها محمولةٌ على حَرْف التمنِّي، وهو " لَيْتَ " والجزمُ في جواب " لَيْتَ " إنما هو لتضمنها معنى الشَّرْط، أو لدلاَلَتها على كونه محذوفاً على اختلاف القولَيْن ؛ فصارت " لَوْ " فَرَعَ الفَرْعِ، فضَعُفَ ذلك فيها.
وقيلَ :" لَوْ " في هذه الآية الكريمة ونظَائِرِها لِما كانَ سيقعُ لِوُقُوع غيره، وليس فيها معنى التمنِّي، والفعلُ منصوب ب " أَنْ " مضمرَة ؛ على تأويل عَطف اسْمٍ على اسمٍ، وهو " كَرَّة " والتقديرُ :" لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً، فنتبرَّأَ " فهو مِنْ باب قوله :[ الوافر ]
٨٨٨ - لَلُبْسُ عَباءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ***. . . (٢٢)
ويكون جواب " لَوْ " محذوفاً أيضاً ؛ كما تقدَّم.
وقال أبو البقاء(٢٣) رحمه الله تعالى :" فَنَتَبَرَّأَ " منصوبٌ بإضمارِ " أَنْ "، تقديره : لَوْ أَنَّ لَنَا أنْ نَرْجِعَ فَنَتَبَرَّأَ فحلَّ " كرَّة " إلى قوله :" أَنْ نَرْجِعَ " ؛ لأنَّه بمعناه، وهو قريبٌ، إلاَّ أنَّ النحاة يأوّلون الفعل المنصوب بمصدرٍ ؛ ليعطفُوه على الاسم قَبْله، ويتركُون الاسم على حالِهِ ؛ وذلك لأنه قد يكُون اسْماً صَرِيحاً غير مَصْدر ؛ نحو " لَوْلاَ زَيْدٌ وَيَخْرُج، لأَكْرَمْتُكَ " فلا يتأتَّى تأويله بحرفٍ مصدريٍّ وفعلٍ.
قولُهُ تعالى :" كَمَا " الكافُ في موضعها نصبٌ : إِمَّا على كونها نعت مصدرٍ محذوف، أي :" تَبَرُّؤاً " وإِمَّا على الحال مِنْ ضمير المصدر المعرَّف المحذوف أي " نتبرّأهُ، أي : التَّبَرُّؤَ، مُشَابِهاً لِتَبَرُّئِهِمْ " ؛ كما تقرَّر غير مرَّة.
وقال ابن عطيَّة : الكاف في قوله :" كَمَا " في موضع نصب على النَّعت : إمّا لِمَصدرٍ : أو لحال، تقديره : مُتَبَرِّئِينَ، كما قال أبو حَيَّان. أمَّا قوله " لِحَالٍ " تقديرُهُ :" مُتَبَرِّئِينَ كما " فغيرُ واضحٍ، لأنَّ " ما " مصدرية، فصارتِ الكافُ الداخلة عليها مِن صفات الأَفعال و " مُتَبرِّئين " : من صفات الأَعْيَان، فكيف يُوصف بصفات الأَفعال.
قال : وأَيضاً لا حاجة لتقدير هذه الحال، لأنَّها إذ ذاك تكون حالاً مؤكِّدة، وهي خلافُ الأَصل، وأيضاً : فالمؤكَّد ينافِيهِ الحَذفُ ؛ لأنَّ التوكيد يُقَوِّيه، فالحَذْفُ يناقضه.
فصل في معنى التبرؤ
قال ابن الخطيب(٢٤) - رحمه الله - قولهم : لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا ذلك تمنٍّ منهم للرجعة إلى الدُّنْيا، وإلى حال التَّكليف، ويكون الاختيارُ لهم ؛ حَتَّى يتبرءوا منهم في الدُّنيا، كما تبرءوا يَوْمَ القيامة منهم ومفهوم الكلام : أَنَّهُمْ تمنَّوا لهم في الدُّنيا ما يُقَاربُ العذابَ، فيتبرّءُونَ منهم، ولا يخلصونهم، كما فعلوا بهم يومَ القيامة، وتقديرُه : فلو أنَّ لنا كَرَّةً فنتبرَّأَ منهم، وقد دَهَمَهُمْ مثلُ هذا الخَطْب، كما تبرءوا منَّا، والحالُ هذه ؛ لأنَّهم إِنْ تَمَنَّوا التبرُّؤ منهم، مع سلامةٍ، فأيُّ فائدة ؟.
قال القُرطبي : التبرُّؤُ : الانفصال(٢٥).
قوله تعالى : كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ في هذه " الكافِ " قولان :
أحدهما : أنَّ موضعها نصبٌ : إِمَّا نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أو حالاً من المَصدر المعرَّفِ، أي : يُريهمْ رؤية كذلك، أو يَحْشُرُهُمْ حَشْراً كَذَلِكَ، أوْ يَجزِيهم جَزَاءً كذلك، أو يُريهم الإراءة مشبهةً كذلك ونحو هذا.
الثاني : أن يكون في موضع رفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : الأمر كذلك، أو حَشْرُهُمْ كذلك، قاله أبو البقاء(٢٦).
قال أبو حيَّان(٢٧) : وهو ضعيفٌ ؛ لأنَّه يقتضي زيادة الكاف، وحذف مبتدأ، وكلاهما على خلاف الأَصل والإشارة بذلك إلى رأيهم تلك الأهوال والتقديرُ : مثل إراءتهم الأهوال، يريهمُ اللَّهُ أعمالَهُمْ حسَرَاتٍ.
وقيل : الإشارةُ إلى تبرُّؤ بعضهم من بعض والتقديرُ : كَتَبَرُّؤ بعضهم من بعض، يريهمُ اللَّهُ أعمالهُم حسَراتٍ عليهم ؛ وذلك لانقطاع الرَّجَاء منْ كُلِّ أحدٍ.
والرؤيةُ تحتملُ وجهَين :
أحدهما : أن تكون بَصَريَّة، فتتعدّى لاثنين بنقل الهمزة أولهُما الضميرُ، والثاني " أَعْمَالَهُمْ " و " حَسَرَاتٍ " على هذا حالٌ مِنْ " أَعْمَالَهُمْ ".
والثاني : أَنْ تكونُ قلبيَّةً ؛ فتتعدَّى لثلاثةٍ ؛ ثالثُها " حَسَرَاتٍ " و " عَلَيْهِمْ " يجوزُ فيه وجْهَان :
أن يتعلَّق ب " حَسَرَاتٍ " ؛ لأنَّ " يحْسَرُ " يُعدَّى ب " عَلَى " ويكونُ ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ. أي : على تَفْرِيطهِمْ.
والثاني : أنْ يتعلَّق بمحذوف ؛ لأنَّها صفةٌ ل " حَسَرَاتٍ "، فهي في محلّ نصْبٍ ؛ لكونها صفةً لمنصوبٍ.
فصل في المراد ب " الأعمال " في الآية
اختلفوا في المراد بالأََعمالِ.
فقال السُّدِّيُّ : الطاعاتُ، لِمَ ضَيَّعُوها ؟ وقال الربيعُ وابنُ زَيْدٍ، المعاصي والأَعْمَال الخبيثَةُ يتحسَّرون لِمَ عَمِلُوها(٢٨) ؟
وقال الأَصَمُّ : ثوابُ طاعاتهم الَّتي أتَوْا بها، فأحْبَطُوها بالكُفْرِ، قال السُّدِّيُّ : تُرفع لهم الجَنَّة، فينظرُون إليها وإلى بيوتهم فيها، لو أطاعُوا الله، فيقال لهم : تِلْكَ مساكنُكمْ، لو أطعتُمُ الله تعالى، ثمَّ تقسَّم بين المؤمِنين، فذلك حين يتحسَّرُون.
وقيل : أعمالُهُمْ الَّتي تقرَّبوا بها إلى رؤسائهم والانقياد لأَمرهم، قال ابن كَيْسَان : إِنَّهُمْ أشركُوا بالله الأوثان، رجاءَ أن تقرِّبهم إلى الله تعالى، فلما عُذِّبوا على ما كانوا يَرْجُون ثوابه، تحسَّروا ونَدِمُوا.
قال ابن الخطيب(٢٩) : والظاهرُ أنَّ الأعمال الَّتي اتَّبَعُوا فيها السَّادَة، وهو كُفْرُهُم. ومعاصِيهِمْ، وإنما تكون حَسْرةً بأن رأوها في صحيفَتهِمْ، وأيقنوا بالجزاءِ عليها، وكان يمكنُهُمْ تركُها، والعدولُ إلى الطَّاعات، وفي هذا الوجه الإضافة وفي الثاني : مجازٌ بمعنى لزومِهِم، فَلَمْ يَقُومُوا بها. و " الحَسْرَة " واحدةُ الحَسَرَاتِ ؛ كَتَمْرَةٍ وَتَمَرَاتٍ، وَجَفْنَةٍ وَجَفَنَاتٍ وشَهْوَةٍ وشَهَوَاتٍ.
هذا إذا كان اسماً. [ فإنْْ ] نَعتَّهُ سكَّنت ؛ كقوله ضَخْمَة وضَخْمَات وعَبْلَة وعَبْلاَت نقله القرطبي(٣٠) رحمه الله تعالى قال الزَّجَّاج : هي شِدَّة الندامة، وهو تألُّم القَلب بانحسارِهِ عمّا تؤلمه واشتقاقها إِمَّا من قولهم : بعير حَسيرٌ أي منقطعُ القوَّة والحُسُور الإِعياء، وقال تبارك وتعالى : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ [ الأنبياء : ١٩ ] أو من الحسر وهو الكشف يقال : حسر عن ذراعيه، والحسرة : انشكافٌ عن حالة النَّدَامة ؛ [ والمحسرة ](٣١) المنكسة ؛ لأنها تكشف عن الأرض ؛ والطير تنحسر لأنها تنكشف بذهاب الريش.
قوله تعالى : وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ .
احتجَّ به على أن أصحاب الكبائِرِ منْ أهْل القبلة يخرجُون من النَّار، فقالوا :
لأنَّ قوله :" وَمَا هُمْ " تخصيصٌ لهم بعَدَم الخروج على سبيل الحَصر ؛ فوجب أن يكُون عدَمُ الخروج مخصُوصاً بهم، وهذه الآية الكريمة تكشف عن المراد بقوله : وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ [ الانفطار : ١٤ - ١٦ ] فبيَّن أنَّ المراد بالفُجَّار ها هنا الكفَّار ؛ لدلالة هذه الآية الكريمة عليه والله أعلم.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود