و حسَرات : حال، إن كانت بصرية، على مذهب أهل السنّة، أو مفعول ثالث إن كانت عِلمية على مذهب المعتزلة القائلين بعدم تشخص الأعمال.
وقال حينئذٍ الضعفاء الذين اتبعوا شياطينهم في الكفر والضلال : لو أن لنا كَرَّة أي : رجعة للدنيا فنتبرأ منهم أي : من كبرائهم كما تبرءوا منا اليوم. كذلك أي : مثل ذلك الإبراء الفظيع يريهم الله أعمالهم حسرات ونَدَامات عليهم فيدخلون النار على سبيل الخلود، وما هم بخارجين من النار .
وَقَاطِعْ مِمنْ واصَلْتَ أيامَ غَفْلةٍ فَمَا واصل العُذَّال إلا من مُقَاطعُ وجَانِبْ جنابَ الأجنبي لَوَ أنَّهُ لقُربِ انتسابٍ في المَنَامُ مُضَاجعُ فَلِلنْفًس مِنْ جُلاَّسهَا كُلُ نسبةٍ ومِنْ خُلَّةٍ للقلبِ تِلكَ الطَّبَائعُ
الإشارة : يا من أقبل على مولاه، وجعل محبة سيده بُغْيته ومُناه، فلم يُشرك في محبة حبيبه سواه، لو رأيت من ظلم نفسه باتباع هواه، وأشرك مع الله في محبته سواه، باتباع حظوظ دنياه، وذلك حين يرون ما هم فيه من الانحطاط والبعاد، وما أعد الله لأهل المحبة والوداد من الفوز بالقرب من الحبيب، ومشاهدة جمال القريب، لرأيت أمراً عظيماً وخطباً جسيماً، ولعلمت أن القوة كلها لله، قَرّبَ مَنْ شاء بفضله ورحمته، وأبعد من شاء بعدله وحكمته، وذلك حين يتبرأ الأكابر في الجرم من الأصاغر، ويقع التفريق بين الأصحاب والعشائر، إلا من اجتمعوا على محبة الحبيب، وتعاونوا على طاعة القريب المجيب، الأَخِلآَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ [ الزّخرُف : ٦٧ ]. لا تصحب من لا يُنْهِضُك حالهُ، ولا يدلك على الله مقاله - فكل من صحب أهل الغفلة أو رَكَنَ إلى أهل الدنيا فلا بد أن يرى ذلك حسرات يوم القيامة، يوم لا ينفع الندم وقد زلّ القدم. ولله دَرُّ صاحب العَيْنية رضي الله عنه حيث يقول :
| وَقَاطِعْ مِمنْ واصَلْتَ أيامَ غَفْلةٍ | فَمَا واصل العُذَّال إلا من مُقَاطعُ |
| وجَانِبْ جنابَ الأجنبي لَوَ أنَّهُ | لقُربِ انتسابٍ في المَنَامُ مُضَاجعُ |
| فَلِلنْفًس مِنْ جُلاَّسهَا كُلُ نسبةٍ | ومِنْ خُلَّةٍ للقلبِ تِلكَ الطَّبَائعُ |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي