ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

باب فرض الصيام


قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون فالله تعالى أوجب علينا فَرْضَ الصيام بهذه الآية، لأن قوله كتب عليكم معناه فُرِضَ عليكم، كقوله : كتب عليكم القتال وهو كره لكم [ البقرة : ٢١٦ ] وقوله : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً [ النساء : ١٠٣ ] يعني فرضاً موقتاً. والصيامُ في اللغة هو الإمساكُ، قال الله تعالى : إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيّاً [ مريم : ٢٦ ] يعني صَمْتاً، فسمّى الإمساك عن الكلام صوماً. ويقال :" خَيْلٌ صيام " إذا كانت ممسكةً عن العلف، و " صامت الشمس نصف النهار " لأنها ممسكة عن السير والحركة، فهذا حكم هذا اللفظ في اللغة.
وهو في الشرع اسمٌ للكَفِّ عن الأكل والشرب وما في معناه، وعن الجماع في نهار الصوم مع نية القربة أو الفرض. وهو لفظٌ مُجْمَلٌ مفتقر إلى البيان عند وروده، لأنه اسم شرعي موضوع لمعانٍ لم تكن معقولةً في اللغة، إلا أنه بعد ثبوت الفرض واستقرار أمر الشريعة قد عقل معناه الموضوع له فيها بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم الأمة عليها.
وقوله تعالى : كما كتب على الذين من قبلكم يَعْتَوِرُهُ معانٍ ثلاثة كلّ واحد منها مَرْوِيٌّ عن السلف ؛ قال الحسن والشعبي وقتادة :" إنه كتب على الذين من قبلنا وهم النصارى شهرُ رمضان أو مقداره من عدد الأيام، وإنما حَوّلوه وزادوا فيه ". وقال ابن عباس والربيع بن أنس والسدي :" كان الصوم من العتمة إلى العتمة، ولا يحلّ بعد النوم مأكلٌ أو مشربٌ ولا منكحٌ، ثم نُسِخ ". وقال آخرون، :" معناه أنه كُتِبَ علينا صيام أيام كما كتب عليهم صيام أيام، ولا دلالة فيه على مساواته في المقدار، بل جائز فيه الزيادة والنقصان ". ورُوي عن مجاهد وقتادة :" الذين من قبلكم أهل الكتاب ". ورَوَى عبدالرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال :" أُحِيلَ الصيامُ ثلاثة أحوالٍ، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فجعل الصَّوْمَ كل شهر ثلاثة أيام ويوم عاشوراء، ثم إن الله تعالى فرض الصيام بقوله : كتب عليكم الصيام . وذكر نحو قول ابن عباس الذي قدمنا.
قال أبو بكر : لما لم يكن في قوله : كما كتب على الذين من قبلكم دلالة على المراد في العدد ؛ أو في صفة الصيام ؛ أو في الوقت ؛ كان اللفظ مجملاً، ولو علمنا وقت صيام من قبلنا وعدده ؛ كان جائزاً أن يكون مراده صفة الصيام، وما حظر على الصائم فيه بعد النوم، فلم يكن لنا سبيل إلى استعمال ظاهر اللفظ في احتذاء صوم من قبلنا.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير