)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ( البقرة : ١٨٣ )
التفسير :
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا سبق الكلام عليها.
قوله تعالى : كتب عليكم الصيام أي فُرض ؛ والذي فَرضه هو الله سبحانه وتعالى ؛ و الصيام نائب فاعل مرفوع ؛ وهو في اللغة الإمساك ؛ ومنه قوله تعالى : إني نذرت للرحمن صوماً [ مريم : ٢٦ ] يعني إمساكاً عن الكلام بدليل قولها : فلن أكلم اليوم إنسياً [ مريم : ٢٦ ] ؛ وأما في الشرع فإنه التعبد لله بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
قوله تعالى : كما كتب ؛ «ما » مصدرية ؛ والكاف حرف جر ؛ وتفيد التشبيه ؛ وهو تشبيه للكتابة بالكتابة، وليس المكتوب بالمكتوب ؛ والتشبيه بالفعل دون المفعول أمر مطرد، كما في قوله ( ص ) :«إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر »١ : التشبيه هنا للرؤية بالرؤية ؛ لا للمرئي بالمرئي ؛ لأن الكاف دخلت على الفعل الذي يؤول إلى مصدر.
قوله تعالى : على الذين من قبلكم أي من الأمم السابقة يعم اليهود، والنصارى، ومن قبلهم ؛ كلهم كتب عليهم الصيام ؛ ولكنه لا يلزم أن يكون كصيامنا في الوقت، والمدة.
وهذا التشبيه فيه فائدتان :
الفائدة الأولى : التسلية لهذه الأمة حتى لا يقال : كلفنا بهذا العمل الشاق دون غيرنا ؛ لقوله تعالى : ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون [ الزخرف : ٣٩ ] يعني لن يخفف عنكم العذابَ اشتراكُكم فيه - كما هي الحال في الدنيا : فإن الإنسان إذا شاركه غيره في أمر شاق هان عليه ؛ ولهذا قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً :
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي. الفائدة الثانية : استكمال هذه الأمة للفضائل التي سبقت إليها الأمم السابقة ؛ ولا ريب أن الصيام من أعظم الفضائل ؛ فالإنسان يصبر عن طعامه، وشرابه، وشهوته لله عز وجل ؛ ومن أجل هذا اختصه الله لنفسه، فقال تعالى :«كل عمل ابن آدم يضاعف : الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي »٢.
قوله تعالى : لعلكم تتقون ؛ «لعل » للتعليل ؛ ففيها بيان الحكمة من فرض الصوم ؛ أي تتقون الله عز وجل ؛ هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم ؛ وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية، أو مصالح اجتماعية، فإنها تبع.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : أهمية الصيام ؛ لأن الله تعالى صدره بالنداء ؛ وأنه من مقتضيات الإيمان ؛ لأنه وجه الخطاب إلى المؤمنين ؛ وأنّ تركه مخل بالإيمان.
٢ ومنها : فرضية الصيام ؛ لقوله تعالى : كتب .
٣ ومنها : فرض الصيام على من قبلنا من الأمم ؛ لقوله تعالى : كما كتب على الذين من قبلكم .
٤ ومنها : تسلية الإنسان بما ألزم به غيره ليهون عليه القيام به ؛ لقوله تعالى :{ كما كتب على الذين من قبلكم
٥ ومنها : استكمال هذه الأمة لفضائل من سبقها، حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلها لتترقى إلى درجة الكمال كما ترقى إليها من سبقها.
٦ ومنها : الحكمة في إيجاب الصيام ؛ وهي تقوى الله ؛ لقوله تعالى : لعلكم تتقون .
٧ ومنها : فضل التقوى، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها ؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية ؛ إذاً هذه الغاية غاية عظيمة ؛ ويدل على عظمها أنها وصية الله للأولين، والآخرين ؛ لقوله تعالى : ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله [ النساء : ١٣١ ].
ويتفرع على هذه الفائدة اعتبار الذرائع ؛ يعني ما كان ذريعة إلى الشيء فإن له حكم ذلك الشيء ؛ فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة ؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواطن الفتن : لا ينظر إلى المرأة الأجنبية ؛ ولا يكلمها كلاماً يتمتع به معها ؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة، ويكون ذريعة إلى الفاحشة ؛ فيجب اتقاء ذلك ؛ حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه حتى لا يقع في فتنته٣.
٨- ومن فوائد الآية : حكمة الله سبحانه وتعالى بتنويع العبادات ؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة ؛ منها ما هو مالي محض ؛ ومنها ما هو بدني محض ؛ ومنها ما هو مركب منهما : بدني، ومالي ؛ ومنها ما هو كفّ ليتم اختبار المكلف ؛ لأن من الناس من يهون عليه العمل البدني دون بذل المال ؛ ومنهم من يكون بالعكس ؛ ومن الناس من يهون عليه بذل المحبوب ؛ ويشق عليه الكف عن المحبوب ومنهم من يكون بالعكس ؛ فمن ثَم نوَّع الله سبحانه وتعالى بحكمته العبادات ؛ فالصوم كف عن المحبوب قد يكون عند بعض الناس أشق من بذل المحبوب ؛ ومن العجائب في زمننا هذا أن من الناس من يصبر على الصيام، ويعظمه ؛ ولكن لا يصبر على الصلاة، ولا يكون في قلبه من تعظيم الصلاة ما في قلبه من تعظيم الصيام ؛ تجده يصوم رمضان لكن الصلاة لا يصلي إلا من رمضان إلى رمضان إن صلى في رمضان ؛ وهذا لا شك خطأ في التفكير ؛ لكن الصلاة حيث إنها تتكرر كل يوم صار هيناً على هذا الإنسان تركها ؛ والصوم يكون عنده تركه صعباً ؛ ولهذا إذا أرادوا ذم إنسان قالوا : إنه لا يصوم، ولا يصلي يبدؤون بالصوم.
٢ أخرجه البخاري ص٥٠٣، كتاب اللباس، باب ٧٨: ما يذكر في المسك، حديث رقم ٥٩٢٧؛ وأخرجه مسلم بتمامه ص٨٦٢، باب ٣٠: فضل الصيام، حديث رقم ٢٧٠٧ [١٦٤] (...)..
٣ راجع أحمد ص١٤٥٧، حديث رقم ٢٠١١٦؛ وأبا داود ص١٥٣٧، كتاب الملاحم، باب ١٤: خروج الدجال، حديث رقم ٤٣١٩؛ ومستدرك الحاكم ٤/٥٣١، كتاب الفتن والملاحم، وقال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي (المرجع نفسه)؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: "صحيح" (٣/٣٠، حديث رقم ٤٣١٩)..
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي