(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) كتب بمعنى فرض لأنه قرره الله تعالى، وكتبه حتى صار مكتوبا على المؤمنين، وقد أكد سبحانه الفرضية بقوله تعالى عليكم، وبأنه شريعة النبيين أجمعين؛ ولذا قال تعالى: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) وأنه سبيل لتقوى النفس، ولذا قال: (ولَعَلَّكمْ) وذكر أنه أياما معدودات معروفة القدر، مبينة الابتداء والانتهاء، وقد بينها سبحانه وتعالى في قوله تعالت كلماته:
(شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ... (١٨٥)
والصوم في اللغة الإمساك، وذلك كقول مريم فيما حكى القرآن: (فَقولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)، والصوم في المعنى الديني القرآني الظاهر هو الإمساك عن الطعام والشراب، وعن النساء من طلوعِ الفجر إلى غروب الشمس كما قال تعالى فيما سيأتي: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّن لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ...)، بهذا النص الكريم يحد الصيام من طلوع الفجر، حتى يدخل الليل وذلك بغروب الشمس.
كتب الصوم على الذين آمنوا فهو فرض مؤكد، وقد قال: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) من أهل الديانات السماوية كديانة موسى عليه السلام، وديانة عيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والتشبيه كما قال معاذ بن جبل من فقهاء الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم: التشبيه واقع على أصل الصوم، لا على صفته وعدد أيامه. وهذا يكفي في التشبيه فهو يثبت أن الصوم شريعة في الشرائع السماوية كلها، وهذا يدل على كمال فرضيته، وأنه لَا يختص بالمسلمين وحدهم بل يعم الديانات السماوية كلها.
وقد بين الله تعالى حكمة شرعيته الأزلية الباقية بقوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي رجاء منكم لأن تصلوا إلى درجة المتقين، فتتقوا المعاصي، وسيطرة الأهواء والشهوات على نفوسكم؛ وذلك لأن الصوم يربى النفس على الضبط، والاستيلاء على أهوائها وشهواتها وحيث قويت الإرادة قوي سلطانها على الالتواء وعلى الشهوات، ولذلك كان من آدابه المكملة له أن يمتنع عن المحظورات كلها فلا يسب ولا يقول الزور، ولا يعمل به، ولا يجترح المنهيات بلسانه، ولقد قال النبي - ﷺ -: " من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " (١) وقال
________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصوم (١٧٧٠) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، كما أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد.
- ﷺ -: " الصوم جنة " (١) وإن الصوم بهذه المعاني الجليلة المهذبة للنفس الضابطة للإرادة كان من أعظم العبادات عند الله تعالى؛ ولذا روي عن النبي - ﷺ - عن ربه: " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " (٢)، وكان الصوم من بين العبادات مختصا بأنه لله تعالى وحده؛ لأنه تجرد روحي، وانخلاع من الأهواء والشهوات وعلو بالنفس الإنسانية عن العالم المادي وشهواته وهو سر بين العبد وربه.
وحدَّ الله سبحانه وتعالى مقدار الصوم بأنه أيام معدودات ليست كثيرة، ولا مرهقة، ولكنها في مؤداها جليلة وهذه الأيام المعدودات التي لَا تتجاوز الحسبة هي شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان.
وإن الصيام في هذه الأيام المعدودات فرض، رخِّص فيه لذوي الأعذار أن يفطروا ويؤدوا بدل الأيام ولذا قال تعالى:
________
(١) متفق عليه؛ أخرجه البخاري: باب فضل الصوم (١٧٦١)، ومسلم (١٩٤١) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: " الصيام جنة، ، وفي بعض رواياته عند الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، والدارمي بلفظ: " الصوم جنة ".
(٢) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٧٧١)، ومسلم (١٩٤٤) عن أبي هُرَيْرَةَ - رَضِي اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: " قَالَ اللَّهُ: كُل عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصيامَ فَإِنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ، وَالصيامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمَِ أحَدكُمْ فَلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ، فَإنْ سَابهُ أحَدٌ اوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إني امْرُؤٌ صَائمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بيَده لَخُلُوفُ فَم الصَّائِم أطيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيح الْمِسْكِ، لِلصَّائِم فرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ ربَّهُ فَرِحَ بِصَومِهِ ".
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة