ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ١٨٣ أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ١٨٤ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخرى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ١٨٥ .
الكلام في سرد الأحكام فلا حاجة إلى التناسب بين كل حكم وما يليه، والصيام في اللغة الإمساك والكف عن الشيء، وفي الشرع الإمساك عن الأكل والشرب وغشيان النساء من الفجر إلى المغرب احتسابا لله، وإعدادا للنفس وتهيئة لها لتقوى الله بالمراقبة له، وتربية الإرادة على ترك كبح جماح الشهوات، ليقوى صاحبها على ترك المضار والمحرمات، وقد كتب على أهل الملل السابقة، فكان ركنا من كل دين لأنه من أقوى العبادات وأعظم ذرائع التهذيب، وفي إعلام الله تعالى لنا بأنه فرضه علينا كما فرضه على الذين من قبلنا إشعار بوحدة الدين في أصوله ومقصده، وتأكيد لأمر هذه الفريضة وترغيب فيها.
قال الأستاذ الإمام : أبهم الله هؤلاء الذين من قبلنا، والمعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل حتى الوثنية فهو معروف عن قدماء المصريين في أيام وثنيتهم، وانتقل منهم إلى اليونان فكانوا يفرضونه لاسيما على النساء، وكذلك الرومانيون كانوا يعنون بالصيام، ولا يزال وثنيو الهند وغيرهم يصومون إلى الآن، وليس في أسفار التوراة التي بين أيدينا ما يدل على فرضية الصيام، وإنما فيها مدحه ومدح الصائمين، وثبت أن موسى عليه السلام صام أربعين يوما، وهو يدل على أن الصوم كان معروفا مشروعا ومعدودا من العبادات، واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعا تذكارا لخراب أرشليم وأخذها، ويصومون يوما من شهر آب. أقول وينقل أن التوراة فرضت عليهم صوم اليوم العاشر من الشهر السابع وأنهم يصومونه بليلته ولعلهم كانوا يسمونه عاشوراء، ولهم أيام أخرى يصومونها نهارا.
وأما النصارى فليس في أناجيلهم المعروفة نص في فريضة الصوم وإنما فيها ذكره ومدحه، واعتباره عبادة كالنهي عن الرياء وإظهار الكآبة فيه، بل تأمر الصائم بدهن الرأس وغسل الوجه حتى لا تظهر عليه أمارة الصيام فيكون مرائيا كالفريسيين، وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى عليه السلام، والحواريون رضي الله عنهم، ثم وضع رؤساء الكنيسة ضروبا أخرى من الصيام وفيها خلاف بين المذاهب والطوائف، ومنها صوم عن اللحم وصم عن السمك وصوم عن البيض واللبن، وكان الصوم المشروع عند الأولين منهم كصوم اليهود يأكلون في اليوم والليلة مرة واحدة، فغيروه وصاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار، ولا نطيل في تفصيل صيامهم، بل نكتفي بهذا في فهم قوله تعالى : يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم أي فرض عليكم كما فرض على المؤمنين من أهل الملل قبلكم، فهو تشبيه الفريضة بالفريضة ولا تدخل فيه صفته ولا عدة أيامه.
وفي قصتي زكريا ومريم عليهما السلام أنهم كانوا يصومون عن الكلام، أي مع الصيام عن شهوات الزوجية والشراب والطعام، قال البيضاوي : إن الصوم في اللغة الإمساك عما تنازع إليه النفس، لا مطلق الإمساك كما يقول الجمهور، وقال أبو عبيدة من رواة اللغة : كل ممسك عن الطعام أو كلام أو سير فهو صائم، ثم قال :
" خيل صيام وخيل غير صائمة " ١ أي قيام بلا اعتلاف اه.
لعلكم تتقون هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله تعالى بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالا لأمره واحتسابا للأجل عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :( الصيام نصف الصبر ) ٢ رواه ابن ماجه وصححه في الجامع الصغير. وهذا معنى دلالة ( لعل ) على الترجي فالرجاء إنما يكون فيما وقعت أسبابه، وموضعه هنا المخاطبون لا المتكلم، ومن لم يصم بالنية وقصد القرابة لا ترجى له هذه الملكة في التقوى. فليس الصيام في الإسلام لتعذيب النفس لذاته بل لتربيتها وتزكيتها.
قال شيخنا : إن الوثنين كانوا يصومون لتسكين غضب آلهتهم إذا عملوا ما يغضبهم، أو لإرضائها واستمالتها إلى مساعدتهم في بعض الشؤون والأغراض، وكانوا يعتقدون أن إرضاء الآلهة والتزلف إليها يكون بتعذيب النفس وإماتة حظوظ الجسد، وانتشر هذا الاعتقاد في أهل الكتاب، حتى جاء الإسلام يعلمنا أن الصوم ونحوه إنما فرض لأنه يعدنا للسعادة بالتقوى، وأن الله غني عنا وعن عملنا، وما كتب علينا الصيام إلا لمنفعتنا.
ثم قال ما معناه مبسوطا : قلنا إن معنى لعل الإعداد والتهيئة، وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأنا، وأنصعها برهانا، وأظهرها أثرا، وأعلاها خطرا ( شرفا ) أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه فيه إلا الله تعالى، وسر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه، فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة، ملاحظا عند عروض كل رغيبة له من أكل نفيس، وشراب عذب، وفاكهة يانعة، وغير ذلك كزينة زوجه أو جمالها الداعي إلى ملابستها إنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها، لا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا، ولسعادتها في الآخرة.
كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضا، انظر هل يقدم من تلابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم ؟ هل يسهل عليه أن يراه الله آكلا لأموالهم بالباطل ؟ هل يحتال على الله تعالى في منع الزكاة وهدم هذا الركن الركين من أركان دينه ؟ هل يحتال على أكل الربا ؟ هل يقترف المنكرات جهرا ؟ هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين الله ستارا ؟ كلا ؟ إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى، وإذا نسي وألم بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة الصحيحة إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ( الأعراف : ٢٠١ ) فالصيام أعظم مرب للإرادة، وكابح لجماح الأهواء، فأجدر بالصائم أن يكون حرا يعمل ما يعتقد أنه خير، لا عبدا للشهوات.
إنما روح الصوم وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة وهذا هو معنى كون العمل لوجه الله تعالى. وقد لاحظه من أوجب من الأئمة تبييت النية في كل ليلة ويؤيد هذا ما ورد من الأحاديث المتفق علها كقوله صلى الله عليه وسلم ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ٣ رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن قالوا أي من الصغائر، وقد يكون الغفران للكبائر مع التوبة منها لأن الصائم احتسابا وإيمانا على ما بينا يكون من التائبين عما اقترفه فيما قبل الصوم، وقوله في الحديث القدسي :( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) ٤ وفي حديث آخر :( يدع طعامه وشرابه وشهواته من أجلي ) ٥ رواهما البخاري وغيره.
وقد شرح الأستاذ الإمام في هذا المقام حال أولئك الغافلين عن الله وعن أنفسهم الذين يفطرون في رمضان عمدا، وذكر بعض حيل الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله كالأدنياء الذين يأكلون ولو في بيوت الأخلية حيث تأكل الجرذ، والذين يغطسون في الجداول والأنهار ويشربون في أثناء ذلك. وما قذف بهؤلاء وأمثالهم ومن هم شر منهم كالمجاهرين بالفطر إلا تلقينهم العبادة جافة خالية من الروح الذي ذكرناه، والسر الذي أفشيناه، فحسبوها عقوبة كما كان يحسبها الوثنيون من قبل، وما كل إنسان يحتمل العقوبة راضيا مختارا. ثم قال ما مثاله : وههنا شيء ذكره بعضهم ويشمئز الإنسان من شرحه وبيانه وهو أن الصوم يكسر الشهوة بطبعه فتضعف النفوس ويعجز الإنسان عن الشهوات والمعاصي، وفيه من معنى العقوبة والإعنات ما كان يفهمه الكثير من جميع مطالب الدين وراثة عن آبائهم الأولين من أهل الديانات الأخرى، وإذا طبقنا هذا القول على ما نعهده وجودا ووقوعا لا نجده واقعا. لأن المعروف أن الإنسان إذا جاع يضري بالشهوات وتقوى نهمته ويشتد قرمه، وآثار هذا ظاهر في صوم أكثر المسلمين فإنهم في رمضان أكثر تمتعا بالشهوات منهم في عامة السنة، فما سبب هذا وما مثاره ؟ أليس هو الضراوة بالشهوات بلى، ولا ينافي ما ذكره الأستاذ الإمام تشبه النبي صلى اله عليه وسلم الصوم بالوجاء٦ في كسر سورة الشهوة، لأن المراد أن تأثيره في تربية النفس وتقوية الإيمان يجعل صاحبه مالكا لنفسه يصرفها حسب الشرع لا حسب الشهوة.
هذا ما كتبته ونشر في الطبعة الأولى ورآه شيخنا ثم بدا لي فيه، فالحديث رواه الشيخان عن ابن مسعود ولفظه ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) ٧ والوجاء بالكسر رض الانثيين وهو يضعف الشهوة الزوجية إن لم يذهب بها كالخصاء، والصيام يضعف هذه الشهوة إذا طال، واقتصر الصائم في الليل على قليل من الطعام، قال الحافظ في شرحه واستشكل بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك مما يثير الشهوة لكن ذلك إنما يقع في مبدأ الأمر فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك والله أعلم اه.
ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتا فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوف رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه صلى الله عليه وسلم ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله : رحماء بينهم .
ومن فوائد عبادة الصيام الاجتماعية المساواة فيه بين الأغنياء والفقراء والملوك والسوقة، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة فجميع المسلمين يفطرون في وقت واحد لا يتقدم أحد على آخر دقيقة واحدة وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة.
ومن فوائده الصحية أنه ينفي المواد الراسبة في البدن ولاسيما أبدان المترفين أولي النهم وقليلي العمل، ويجفف الرطوبات الضارة، ويطهر الأمعاء من فساد الذرب والسموم التي تحدثها البطنة، ويذيب الشحم أو يحول دون كثرته في الجوف وهي شديدة الخطر على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوة على الكر والفر. قال صلى الله عليه وسلم :( صوموا تصحوا ) رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب عن أبي هريرة وأشار في الجامع الصغير إلى حسنه ويؤيده ( اغزوا تغتنموا وصوموا تصح

١ عجزه: تحت العجاج وأخرى تعليك اللجما
والبيت من البسيط، وهو للنابغة الذبياني في ملحق ديوانه ص ٢٤٠، ولسان العرب (علك)، (صوم)، وتهذيب اللغة ١/٣١٣، ١٢/٢٥٩، وجمهرة اللغة ص ٨٩٩، وكتاب العين /٢٠٢، ومقاييس اللغة ٣/٣٢٣، ومجمل اللغة ٣/٢٥١، والمخصص ١٣/٩٠، والمعاني الكبير ص ٩٥، والكامل ص ٩٩٢، وتاج العروس (علك)، (صوم) وبلا نسبة في المخصص ٦/١٨٤.
.

٢ أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٨٦، وابن ماجه في الصيام باب ٤٤، والدارمي في الوضوء باب ٢، وأحمد في المسند ٤/٢٦٠، ٥/٣٦٣، ٣٦٥، ٣٧٠، ٣٧٢..
٣ أخرجه البخاري في الإيمان باب ٢٨، والصوم باب ٦، وليلة القدر باب١، ومسلم في المسافرين حديث ١٧٥، وأبو داود في رمضان باب ١، والترمذي في الصوم باب١..
٤ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الصوم باب٢، والتوحيد باب ٣٥، ٥٠، ومسلم في الصيام حديث ١٦١، ١٦٣، والنسائي في الصيام باب ٤٢، والدارمي في الصوم باب ٥٠ ومالك في الصيام حديث ٥٨، وأحمد في المسند ١/٤٤٦، ٢/٢٣٢، ٢٧٣، ٢٨١، ٣/٥، ٤٠..
٥ أخرجه البخاري في الصوم باب ٢، والتوحيد باب ٣٥، والنسائي في الصيام باب ٤٢، وابن ماجه في الصيام باب ١، ومالك في الصيام حديث ٥٨، وأحمد في المسند ٢/٢٦٦، ٣١٣، ٣٩٣، ٣٩٥، ٤٤٣، ٣٦٥، ٣٨٠، ٥١٦، ٣/٤٠..
٦ لفظ الحديث: (فإن الصوم له وجاء)أخرجه البخاري في الصوم باب ١٠، والنكاح باب ٢، ٣، ومسلم في النكاح حديث ١، والنسائي في الصيام باب ٤٣، وابن ماجه في النكاح باب١، والدارمي في النكاح باب ٢، وأحمد في المسند ١/٥٧، ٣٧٨، ٤٢٤، ٤٢٥، ٤٣٢، ٤٤٧..
٧ راجع الحاشية السابقة..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير