ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ١٨٣ ) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( ١٨٤ ) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( ١٨٥ ) .
تفسير المفردات :
الصيام في اللغة : الإمساك والكف عن الشيء، وفي الشرع : الإمساك عن الأكل والشرب وغشيان النساء من الفجر إلى المغرب، احتسابا لله، وإعدادا للنفس وتهيئا لها لتقوى الله بمراقبته في السر والعلن، والإطاقة : القدرة على الشيء مع تحمل المشقة الشديدة.
المعنى الجملي :
فرض الله علينا الصوم كما فرضه على من قبلنا، لأنه من أعظم الذرائع لتهذيب النفوس، وأقوى العبادات في كبح جماح الشهوات ومن ثم كان مشروعا في جميع الملل حتى الوثنية فهو معروف لدى قدماء المصريين، ومنه انتقل إلى اليونان والرومان، ولا يزال اليهود والوثنيون إلى الآن، وفي التوراة مدحه ومدح الصائمين وليس فيها ما يدل على أنه فرض، وثبت أن موسى صام أربعين يوما كما أنه ليس بالإنجيل نص على الفريضة، بل فيها مدحه وعده عبادة، وأشهر صيام النصارى وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى والحواريون، وقد وضع رؤساء الكنيسة ضروبا أخرى من الصيام تختلف فيها المذاهب والطوائف
الإيضاح :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ أي فرض عليكم الصيام كما فرض على المؤمنين من أهل الملل قبلك من لدن آدم عليه السلام.
وفي هذا تأكيد له وترغيب فيه، وتطييب لأنفس المخاطبين فإنه عبادة شاقة، وأمور شاقة إذا عمت كثيرا من الناس سهل تحملها ورغب كل أحد على عملها.
ثم بين فائدة الصوم وحكمته فقال :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي إنه فرضه عليكم ليعدكم لتقوى الله لترك الشهوات المباحة الميسورة وامتثالا لأمره واحتسابا لأجره عنده، فتتربى بذلك العزيمة والإرادة على ضبط النفس وترك الشهوات المحرمة والصبر عنها، فقد جاء في الحديث :( الصيام نصف الصبر ) وبهذا نعلم أنه ما كتب علينا الصيام إلا لمنفعتنا، لا كما يعتقد الوثنيون أن القصد منه تسكين غضب الآلهة إذا علموا ما يغضبهم، أو استمالتهم في بعض الشئون والأغراض، لأن الآلهة لا ترضى إلا بتعذيب النفس وإماتة حظوظ الجسد، وشاع هذا الاعتقاد، بين أهل الكتاب فجاء الإسلام وحل كل هذا.
وإعداد الصوم لتقوى الله يظهر وجوه كثيرة أعظمها شأنا :
أنه يعود الإنسان الخشية من ربه في السر والعلن، وإذ أن الصائم لا رقيب عليه إلا ربه، فإذا ترك الشهوات التي تعرض له من أكل نفيس، وشراب عذب، وفاكهة يانعة وزوجة جميلة، امتثالا لأمر ربه، وخضوعا لإرشاد دينه مدة الصيام شهرا كاملا، ولولا ذلك لما صبر عليها وهو في أشد الشوق إليه، لا جرم أنه بتكراره ذلك يتعود الحياء من ربه، والمراقبة له في أمره ونهيه وفي ذلك تكميل له وضبط للنفس عن شهواتها، وشدة مراقبتها لبارئها.
ومن كملت لديه هذه الخلة لا يقدم على غش الناس ومخادعتهم، ولا على أكل أموالهم بالباطل، ولا على هدم ركن من أركان الدين كالزكاة، ولا على اقتراف المنكرات واجتراح السيئات، وإذا ألم بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الرجوع بالتوبة الصحيحة كما قال تعالى :{ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا إذا هم مبصرون ).
ولما للصوم من جليل الأثر في تهذيب النفس جاء في الحديث :( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) أي من صغائر ذنوبه وكبائرها إذا تاب منها قبل الصوم، وقد جاء في الحديث القدسي :( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به ).
أنه يكسر حدة الشهوة، ويجعل النفس مصرفة لشهواتها بحسب الشرع، كما جاء في الحديث :( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه وجاء ) الوجاء : رض الأنثيين، وهو كالخصاء مضعف للشهوة الزوجية.
أنه يعود الشفقة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، فهو عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتا من أولئك البائسين، فيرق قلبه لهم ويشفق عليهم، وفي ذلك تكافل للأمة وشعور بالأخوة الدينية.
أن فيه المساواة بين الأغنياء والفقراء، والملوك والسوقة، في أداء فريضة دينية واحدة.
تعويد الأمة النظام في المعيشة، فهم يفطرون في وقت واحد، لا يتقدم واحد على آخر.
أنه يفني المواد الراسبة في البدن، ولا سيما في أجسام المترفين أولي النهم قليلي العمل، ويجفف الرطوبات الضارة، ويطهر الأمعاء من السموم التي تحدثها البطنة، ويذيب الشحم الذي هو شديد الخطر على القلب، وقد أثر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :( صوموا تصحوا ) وقال بعض علماء أوروبا : إن صيام شهر واحد في السنة يذهب الفضلات الميتة في البدن مدة سنة، ومن يصم على هذا الوجه يكن راضيا مرضيا مطمئنا لا يجد في نفسه اضطرابا ولا قلقا من مزعجات الحوادث، ولا عظيم المصايب والكوارث، نعم إن وجد شيء من هذا كان جثمانيا لا روحانيا.
وأين هذا من الصوم الذي عليه أكثر المسلمين اليوم من إثارة للسخط والغضب لأدنى سبب حتى صاروا يعتقدون أنه أثر طبيعي للصوم، وهو وهم استحوذ على النفوس حتى صار كأنه حقيقة واقعة.
وهذا الأثر في نفوسهم مناف للتقوى التي شرع الصيام لأجلها، ومخالف لما جاء من الآثار من نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم :( الصيام جنة ) أي ستر ووقاية من المعاصي والآثام.
ويرى الأوزاعي أن الغيبة تفطر الصائم، وقال ابن حزم يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه، وقال الغزالي : من يعصى الله وهو صائم كمن يبني قصرا، ويهدم مصرا.
وأين هذا مما نرى عليه الناس من الاستعداد لمآكل رمضان وشرابه، حتى لينفقون فيه ما يكاد يساوي نفقة السنة كلها، فكأن رمضان موسم أكل، وكأن الإمساك عن الطعام في النهار لأجل الاستكثار منه في الليل.


المعنى الجملي :
فرض الله علينا الصوم كما فرضه على من قبلنا، لأنه من أعظم الذرائع لتهذيب النفوس، وأقوى العبادات في كبح جماح الشهوات ومن ثم كان مشروعا في جميع الملل حتى الوثنية فهو معروف لدى قدماء المصريين، ومنه انتقل إلى اليونان والرومان، ولا يزال اليهود والوثنيون إلى الآن، وفي التوراة مدحه ومدح الصائمين وليس فيها ما يدل على أنه فرض، وثبت أن موسى صام أربعين يوما كما أنه ليس بالإنجيل نص على الفريضة، بل فيها مدحه وعده عبادة، وأشهر صيام النصارى وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى والحواريون، وقد وضع رؤساء الكنيسة ضروبا أخرى من الصيام تختلف فيها المذاهب والطوائف

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير