ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ١٨٣ أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ١٨٤ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ١٨٥
وفيه مسألتان :
[ ٥٠ ] : المسألة الأولى : في نسخ الآية، وفي إفطار الحامل والمرضع، والشيخ الكبير في رمضان.
يرى ابن حزم أن قوله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين منسوخ بالآية التي بعدها.
ويرى أن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما، فإن عليهما الفطر، ولا قضاء عليهما ولا فدية، وإذا خافتا على نفسيهما، فلهما الفطر وعليهما القضاء دون الفدية، وأما الكبير الذي لا يطيق الصوم، فله الفطر ولا قضاء عليه ولا فدية.
قال ابن حزم :
والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، كلهم مخاطبون بالصوم، فصوم رمضان فرض عليهم، فإن خافت المرضع على المرضع قلة اللبن وضيعته لذلك ولم يكن له غيرها، أو لم يقبل ثدي غيرها، أو خافت الحامل على الجنين، أو عجز الشيخ عن الصوم لكبره، أفطروا ولا قضاء عليهم ولا إطعام فإن أفطروا لمرض بهم عارض فعليهم القضاء.
أما قضاؤهم لمرض فلقول الله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر .
وأما وجوب الفطر عليهما في الخوف على الجنين، والرضيع، فلقول الله تعالى : قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ١.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لا يرحم لا يرحم " ٢.
فإذ رحمة الجنين، والرضيع : فرض ولا وصول إليها إلا بالفطر : فالفطر فرض ، وإذ هو فرض فقد سقط عنهما الصوم، وإذا سقط الصوم فإيجاب القضاء عليهما شرع لم يأذن الله تعالى به ولم يوجب الله تعالى القضاء إلا على المريض، والمسافر، والحائض، والنفساء، ومتعمد القيء فقط، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ٣.
وأما الشيخ الذي لا يطيق الصوم لكبره فالله تعالى يقول : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ٤ فإذا لم يكن الصوم في وسعه فلم يكلفه. وأما تكليفهم إطعاما فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام " ٥ فلا يجوز لأحد إيجاب غرامة لم يأت بها نص ولا إجماع.
وقد روينا عن ابن عباس مثل قولنا كما روينا عن إسماعيل بن إسحاق، نا إبراهيم بن حمزة الزبيري، نا عبد العزيز بن محمد، هو الدراوردي عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عباس أنه سئل عن مرضع في رمضان خشيت على ولدها فرخص لها ابن عباس في الفطر٦ ولم يذكر قضاء ولا طعاما.
واحتج من رأى الإطعام في ذلك بقول الله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين .
وذكروا ما رويناه من طريق حماد بن سلمة، نا قتادة، عن عكرمة قال : نزلت هذه الآية في الجبلى والمرضع، والشيخ، والعجوز٧.
لكن الحق في ذلك ما رويناه من طريق سلمة بن الأكوع، أن هذه الآية منسوخة.
[ حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، حدثني عمرو بن سواد، أنا عبد الله بن وهب، أنا عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة بن الأكوع قال : كنا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى نزلت هذه الآية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ٨.
وبه إلى مسلم : نا قتيبة بن سعيد، نا بكر يعني ابن مضر عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة بن الأكوع، قال : لما نزلت هذه الآية : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين كان من أراد أن يفطر ويفتدى حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها٩ ]١٠.
ومن طريق حماد بن زيد، عن سلمة بن علقمة [ عن ] ١١ محمد بن سيرين، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية فدية طعام مسكين فقال : هي منسوخة١٢.
فهذا هو المسند الصحيح الذي لا يجوز خلافه.
وأما الرواية عن ابن عباس : أنه كان يقرؤها ( وعلى الذين يطوقونه ) ١٣، فقراءة لا يحل لأحد أن يقرأ بها، لأن القرآن لا يؤخذ إلا عن لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن احتج بهذه الرواية فليقرأ بهذه القراءة وحاش الله أن يطوق الشيخ ما لا يطيقه.
وقد صح عن سلمة بن الأكوع، وععن ابن عباس نسخ هذه الآية، وأنها لم تنزل قط في الشيخ، ولا في الحامل، ولا في المرضع وإنما نزلت في حال وقد نسخت وبطلت١٤.
[ ٥١ ] المسألة الثانية : حكم قراءة يطوقونه بضم الياء، وفتح الطاء، وتشديد الواء، مبنيا للمفعول.
قال ابن حزم :
روينا من طريق إسماعيل عن علي بن عبد الله، عن سفيان، وجرير، قال عمرو بن دينار : أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقرؤها : وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين يكلفونه ولا يطيقونه. قال : هذا الشيخ الكبير الهرم والمرأة الكبيرة الهرمة لا يستطيع الصوم يفطر ويطعم كل يوم مسكينا.
وقال جرير : عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس : مثله١٥.
قال ابن حزم : هذا صحيح عن ابن عباس، وهي قراءة لا يحل لأحد أن يقرأ بها، لأن القرآن لا يؤخذ إلا عن لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن احتج بهذه الرواية فليقرأ بهذه القراءة، وحاش الله أن يطوق الشيخ ما لا يطيقه١٦.

١ الأنعام: ١٤٠.
٢ أخرجه من حديث أبي هريرة:
البخاري في كتاب الأدب باب رحمة الولد، وتقبيله ومعانقته، حديث (٥٩٩٧) ومسلم في كتاب الفضائل، باب رحمته الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك حديث (٢٣١٨).

٣ الطلاق: ١.
٤ البقرة: ٢٨٦.
٥ سبق تخريجه ص (١٦٨).
٦ رجال الإسناد:
ـ إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن عبد الله بن الزبير الزبيري المدني، أبو إسحاق صدوق، روى له البخاري وأبو داود والنسائي مات سنة ٢٣٠ هـ التقريب (٤٩/١)
ـ عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي، أبو محمد الجهني، مولاهم المدني، صدوق، كان يحدث من كتب غيره فيخطي، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العمري منكر، روى له الجماعة، مات سنة ١٨٧ هـ التقريب (٤٧٤/١)
ـ حميد بن أحمد الطويل، أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة مدلس، وعابه زائده لدخوله في شيء من أمر الأمراء، روى له الجماعة، مات سنة ١٤٣ هـ التقريب (٢٠٠/١)
ـ بكر بن عبد الله المزني، أبو عبد الله البصري، ثقة ثبت جليل، روى له الجماعة، مات سنة ١٠٦هـ التقريب (١١٤/١)
ـ وبقية رجال الإسناد تقدموا.
تخريج الأثر:
لم أجده، وإسناده صحيح..

٧ أخرجه بنحوه ابن جرير في تفسيره (١٤١/٢) وذكره ابن الجوزي في الناسخ والمنسوخ (٥٧).
٨ رجال الإسناد:
ـ عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو العامري، أبو محمد البصري، ثقة، روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، مات سنة ٢٤٥هـ التقريب (٧٧/٢)
ـ بكير بن عبد الله الأشج، مولى بني مخزوم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف، المدني، نزيل مصر، ثقة، روى له الجماعة، مات سنة ١٢٢هـ التقريب (١١٥/ ١ـ ١١٦)
ـ يزيد بن أبي عبيد الأسلمي، مولى سلمة بن الأكوع، ثقة، روى له الجماعة، مات سنة ١٤٧هـ التقريب (٣٧٨/٢)
ـ سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، أبو مسلم، وأبو إياس، شهد بيعة الرضوان، مات سنة ٧٤هـ التقريب (٣٠٨/١)
ـ وبقية رجال الإسناد تقدموا.
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب بيان نسخ وعلى الذين يطيقونه فدية بقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمهحديث (١١٤٥).

٩ رجال الإسناد:
ـ بكر بن مضر بن محمد بن حكيم المصري، أبو محمد، أو أبو عبد الله، ثقة ثبت، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي والنسائي، مات سنة ١٧٤هـ التقريب (١١٤/١)
ـ وبقية رجال الإسناد تقدموا.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري من نفس الطريق في كتاب تفسير القرآن، باب فمن شهد منكم الشهر فليصمه حديث (٤٥٠٧)
ومسلم في كتاب الصيام باب بيان نسخ وعلى الذين يطيقونه فدية بقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه حديث (١١٤٥)..

١٠ ما بين القوسين مضاف من المحلى (٣٩٣/٤) لإحالة ابن حزم عليه..
١١ في الأصل: ابن، وهو تصحيف.
١٢ رجال الإسناد:
ـ حماد بن زيد بن درهم الأزدي، الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، قيل: إنه كان ضريرا، ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب، روى له الجماعة مات سنة ١٧٩ هـ التقريب (١٩٥/١)
ـ سلمة بن علقمة التميمي، أبو بشر البصري، ثقة، روى له البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي وابن ماجة، مات سنة ١٣٩ ه التقريب (٣٠٨/١)
ـ وبقية رجال الإسناد تقدموا.
تخريج الأثر:
أخرجه ابن الجوزي في الناسخ والمنسوخ (٥٧) من طريق حماد بن زيد، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس به، قال الإمام أحمد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين: "لم يسمع ابن سيرين من ابن عباس شيئا" انظر: تهذيب التهذيب (١٩٠/٩).

١٣ أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون حديث (٤٥٠٥).
١٤ المحلى (٤١٠/ ٤ـ ٤١٥) باختصار وانظر: الإحكام (٤٧٨/ ١، ٥٠١).
١٥ رجال الإسناد:
إسماعيل: هو ابن إسحاق القاضي، وعلي بن عبد الله: هو ابن المديني وسفيان: هو ابن عيينه، وجرير: هو ابن حازم، ومنصور: هو ابن المعتمر، وجميعهم تقدمت ترجمتهم وكذا بقية رجال الإسناد.
تخريج الأثر: أخرجه البخاري، في كتاب التفسير القرآن، باب قوله: أياما معدودات حديث (٤٥٠٥).

١٦ المحلى (٤١٣/ ٤ـ ٤١٥) باختصار وتصرف يسير..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير