قولُه تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء : في «أو» خمسة أقوال، أظهرهُا: أنها للتفصيلِ بمعنى أنَّ الناظرينَ في حالِ هؤلاء منهم مَنْ يُشَبِّهُهُمْ بحال المستوقدِ الذي هذه صفتُهُ، ومنهم مَنْ يُشَبِّهُهُمْ بأصحاب صَيِّبٍ هذه صفتُه. الثاني: أنها للإِبهام، أي: إن الله أَبْهَم على عباده تشبيهَهم بهؤلاء أو بهؤلاء، الثالث: أنها للشَّكِّ، بمعنى أن الناظر يَشُكُّ في تشبيههم. الرابع: أنها للإِباحة. الخامس: أنها للتخيير، أي: أًُبيح للناس أن يشبِّهوهم بكذا أو بكذا، وخُيِّروا في ذلك. وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين، أحدُهما: كونُها بمعنى الواو وأنشدوا:
| ٢٢٥ - جاء الخلافةَ أو كانَتْ له قَدَراً | كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ |
| ٢٢٦ - بَدَتْ مثلَ قَرْن الشمسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى | وصورتِها أَوْ أَنْتَ في العينِ أَمْلَحُ |
و «كصيبٍ» معطوفٌ على «كَمَثَل»، فهو في محلِّ رفع، ولا بُدَّ من حذف مضافَيْنِ، ليصِحَّ المعنى، التقدير: أو كمثل ذَوي صَيِّب، ولذلك رَجَعَ عليه صفحة رقم 167
ضميرُ الجمع في قوله: يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ في آذَانِهِم لأنَّ المعنى على تشبيهِهم بأصحاب الصيِّب لا بالصيِّب نفسِه. والصيِّبُ: المطر: سُمِّي بذلك لنزولِهِ، يقال: صابَ يصُوبُ إذا نَزَلَ، قال:
| ٢٢٧ - فلسْتُ لإِنسِيٍّ ولكن لِمَلأَكٍ | تَنَزَّلَ من جوِّ السماءِ يَصُوبُ |
| ٢٢٨ - فلا تَعْدِلي بيني وبينَ مُغَمَّرٍ | سَقَتْكِ رَوايا المُزْنِ حيثُ تَصُوبُ |
واعلم أنه إذا قيل بأن الجملةَ من قوله: ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ استئنافيةٌ ومن قوله صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ أنها من وصف المنافقين كانتا/ جملتي اعتراضٍ صفحة رقم 168
بين المتعاطفَين، أعني قوله: كمثل وكصيّب، وهي مسألةُ خلاف منعها الفارسي وقد رُدَّ عليه بقول الشاعر:
| ٢٢٩ - لَعَمْرُكَ والخُطوبُ مُغَيِّراتٌ | وفي طولِ المُعَاشَرَةِ التَّقالي |
| لقد بالَيْتُ مَظْعَنَ أمِّ أَوْفَى | ولكنْ أمُّ أَوفَى لا تُبالي |
والسماءُ: كلُّ ما عَلاَك من سقف ونحوه، مشتقةٌ من السُّمُوِّ، وهو الارتفاعُ والأصل: سَماوٌ، وإنما قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً لوقوعِها طرفاً بعد ألفٍ زائدةٍ، وهو بدلٌ مطَّرد، نحو: كِساء ورِدَاء، بخلافِ نحو: سِقاية وشَقاوة، لعدم تطرُّفِ حرفِ العلة، ولذلك لَمَّا دَخلت عليها تاءُ التأنيث صَحَّتْ نحو: سَماوة، قال الشاعر: صفحة رقم 169
| ٢٣٠ - طيَّ الليالي زُلَفاً فَزُلَفَا | سَماوَةَ الهلالِ حتى احْقَوْقَفَا |
| ٢٣١ - فلو رَفَعَ السماءُ إليه قوماً | لَحِقْنَا بالسماءِ مَعَ السحابِ |
| ٢٣٢ -................................ | ............. فوق سَبْعِ سَمَائِيا |
قولهُ تعالَى: «فيه ظلماتٌ وَرَعْدٌ وبَرْقٌ» يَحْتمل أربعةَ أوجه، أحدها: أَنْ يكونَ صفةً ل «صَيِّب». الثاني: أن يكونَ حالاً منه، وإنْ كان نكرةً لتخصُّصِهِ: إِمَّا بالعملِ في الجار بعدَه، أو بصفةٍ بالجارِ بعده. الثالث: أن يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنِّ في «مِن السماء» إذا قيل إنه صفةٌ لصيِّب، فيتعلَّقُ في صفحة رقم 170
التقادير الثلاثة بمحذوفٍ، إلاَّ أنه على القولِ الأولِ في محلِّ جرٍّ لكونه صفةً لمجرورٍ، وعلى القولين الأخيرين في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ. و «ظلماتٌ» على جميع هذه الأقوال فاعلٌ به لأنَّ الجارَّ والمجرورَ والظرفَ متى اعتمدا على موصوفٍ أو ذي حال أو ذي خبرٍ أو على نفي أو استفهام عمِلاَ عَمَلَ الفِعْلِ، والأخفش يُعْمِلهما مطلقاً كالوصف، وسيأتي تحريرُ ذلك. الرابعُ: أن يكونَ خبراً مقدَّماً و «ظلماتٌ» مبتدأ، والجملةُ تحتمل وجهين: الجرَّ على أنها صِفَةٌ لصيِّب. والثاني: النصبُ على الحال، وصاحِبُ الحال يُحْتمل أن يكونَ «كصيِّب» وإن كان نكرةً لتخصيصهِ بما تقدَّمه، وأن يكونَ الضميرَ المستكنَّ في «مِنْ السماء» إذا جُعِلَ وصفاً لصيِّب، والضمير في «فيه» ضميرُ الصَيِّب «.
واعلم أنَّ جَعْلَ الجارَّ صفةً أو حالاً، ورفعَ» ظلماتٌ «على الفاعلية به أَرْجَحُ مِنْ جَعْلِ» فيه ظلماتٌ «جملةً برأسِها في محلِّ صفةٍ أو حالٍ، لأنَّ الجارَّ أقربُ إلى المفردِ من الجملة، وأصلُ الصفةِ والحال أن يكونا مفرَدَيْنِ.
» وَرَعْدٌ وبَرْقٌ «معطوفانِ على ظُلُماتٌ» بالاعتبارين المتقدمين، وهما في الأصل مصدران تقول: رَعَدت السماء تَرْعُدُ رَعْداً وَبَرَقَتْ بَرْقاً، قال أبو البقاء: «وهما على ذلك [مُوَحَّدَتان] هنا»، يعني على المصدريَّة، ويجوز أن يكونا بمعنى الراعِد والبارِق نحو: رجل عَدْلٌ، والظاهرُ أنهما في الآية ليس المرادُ بهما المصدرَ بل جُعِلاَ اسماً للهزِّ واللمعَانِ، وهو مقصودٌ الآيةِ، ولا حاجةَ حينئذٍ إلى جَعْلِهِمَا بمعنى اسمِ فاعل.
قولُه تعالى: يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ في آذَانِهِم هذه الجملةُ الظاهرُ أنها لا محلَّ لها لاستئنافِها، كأنه قيل: ما حالُهم؟ فقيل: يَجْعَلون. وقيل: بل لها
محلٌّ، ثم اختُلِفَ فيه، فقيل: جَرٌّ لأنها صفةٌ للمجرور، أي: أصحابُ صيِّب جاعلين، والضميرُ محذوفٌ، أو نابَتْ الألفُ واللام منابَه، تقديرُهُ: يَجْعَلُونَ أصابعهم في آذانهم من الصواعق منه أو من صواعِقِه. وقيل: محلُّها نصبٌ على الحال من الضمير «فيه». والكلامُ في العائدِ كما تَقَدَّم، والجَعْلُ هنا بمعنى الإِلقاء، ويكونُ بمعنى الخَلْق فيتعدَّى لواحِدٍ، ويكون بمعنى صيَّر أو سَمَّى فيتعدَّى لاثنين، ويكون للشروع فيعملُ عَمَلَ عسى.
وأصابِعُهم جمعُ إصْبَع، وفيها عشرُ لغاتٍ، بتثليث الهمزة مع تثليث الباء، والعاشرة: أُصْبوع بضمِّ الهمزة. والواوُ في «يَجْعلون» تعود للمضاف المحذوف كما تقدم إيضاحُهُ. واعلمْ أنَّه إذا حُذِفَ المضافُ جاز فيه اعتباران، أحدهما: أن يُلْتفت إليه، والثاني ألاَّ يُلْتَفَتَ إليه، وقد جُمِع الأمران في قوله تعالى: وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ [الأعراف: ٤]، التقدير: وكم من أهل قرية فلم يُرَاعِه في قوله: أَهْلَكْنَاهَا [فَجَآءَهَا ] وراعاه في قوله: أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ /. و في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق كلاهما متعلقٌ بالجَعْل، و «مِنْ» معناها التعليل. والصواعِقُ: جمع صاعقة، وهي الصيحة الشديدة من صوت الرعد يكون معها القطعة من النار، ويقال: ساعِقة بالسين، وصاقِعة بتقديمِ القاف وأنشد:
| ٢٣٣ - ألم تَرَ أنَّ المجرمين أصابَهُمْ | صواقِعُ، لا بل هُنَّ فوق الصواقِعِ |
٢٣ - ٤- صفحة رقم 172
| يَحْكُمُونَ بالمَصْقُولَةِ القواطِعِ | تَشَقُّقَ اليدَيْنِ بِالصَّواقِعِ |
| ٢٣٥ - تَرى النُّعَراتِ الزُرْقَ تَحْتَ لَبَانِهِ | أُحادَ وَمَثْنَى أصْعَقَتْهَا صواهِلُهْ |
الثاني: أنه منصوبٌ على المصدرِ وعامِلُهُ محذوفٌ تقديرُهُ: يَحْذَرُونَ حَذَراً مثلَ حَذَرِ الموت، والحَذَرُ والحِذار مصدران لحَذرِ أي: خافَ خوفاً شديداً.
واعلم أنَّ المفعولَ مِنْ أجله بالنسبةِ إلى نَصْبِهِ وجرِّه بالحرف على ثلاثةِ أقسام: قسم يكثُر نصبُه وهو ما كان غَيْرَ مُعَرَّفٍ بأل مضافٍ نحو: جِئْت إكراماً لك، وقسم عكسُه، وهو ما كان معرَّفاً بأل. ومِنْ مجيئه منصوباً قولُ الشاعر:
| ٢٣٦ - لا أَقْعُدُ الجُبْنَ عن الهَيْجَاءِ | ولو توالَتْ زُمَرُ الأعداءِ |
| ٢٣٧ - وَأَغْفِرُ عوراءَ الكريمِ ادِّخَارَهُ | وأُعْرِضُ عن شَتْمِ اللئيمِ تَكَرُّمَا |
| ٢٣٨ - بُنَيَّتي سَيِّدَةَ البناتِ | عِيشي ولا يُؤْمَنُ أن تَماتي |
| ٢٣٩ - فَعُرْوَةُ مات موتاً مستريحاً | فها أنا ذا أُمَوَّتُ كلَّ يومِ |
| ٢٤٠ - وزَبَدُ البَحْرِ له كَتِيتُ | والليلُ فوق الماء مُسْتَمِيتُ |
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط