ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

يبصرون من الهداية بمنزلة العمى (١).
وقوله تعالى: لَا يَرْجِعُونَ أي إلى الإسلام، أو عن الجهل والعمى (٢). قال محمد بن جرير: هذه الآية معناها التقديم والتأخير، والتقدير (وما كانوا مهتدين صم بكم...) الآية، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي [البقرة: ١٧]، أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ [البقرة: ١٩]، مثل آخر عطف على الأول.
قال: لأن قوله وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ [البقرة: ١٧] في الآخرة، إذا قلنا: إنه وصف المنافقين (٣)، والخبر بأنهم صم بكم في الدنيا، فلهذا قلنا: إن هذا على التقَديم والتأخير (٤). وقال غيره: يجوز أن يعترض ذكر حالهم في الدنيا بعد وصف حالهم في الآخرة.
١٩ - قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ. أَوْ دخلت هاهنا للإباحة (٥)، لا للشك (٦)، ومعناه أن التمثيل مباح لكم، إن مثلتموهم بالذي استوقد نارا، فهو مثلهم، [أو بأصحاب الصيب فهو مثلهم] (٧)، أو بهما جميعا فهما مثلاهم (٨)، كما تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، إن (٩) جالست

(١) انظر "تفسير الطبري" ١/ ١٤٦، (تفسير أبي الليث) ١/ ٩٩، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٦٩، (تفسير أبي الليث) ١/ ٥٤ أ، "البحر" ١/ ٨١، ٨٢.
(٢) انظر "الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٤٦، والثعلبي في "تفسيره" ١/ ٥٤ أ.
(٣) في (ج) (للمنافقين).
(٤) ذكر كلام ابن جرير بمعناه انظر (تفسيره) ١/ ١٤٦.
(٥) وقيل: للتخيير، انظر "تفسير أبي الليث" ١/ ٩٩، وابن عطية في "تفسيره" ١/ ١٨٩، "القرطبي" في "تفسيره" ١/ ١٨٦، "الدر المصون" ١/ ١٦٧، "الكشاف" ١/ ٢١٣.
(٦) ذكر السمين الحلبي أحد الأقوال فيها: أنها للشك. "الدر المصون" ١/ ١٦٧.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٨) في (ج) (مثالهم).
(٩) في (ب) (إذا).

صفحة رقم 198

أحدهما فأنت مطيع، [وإن جمعتهما فأنت مطيع] (١).
ومثله قوله: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: ٧٤]، هذا قول جميع أصحاب المعاني (٢).
وقال ابن الأنباري: أو دخلت للتمييز والتفصيل (٣)، المعنى بعضهم يشبهون الذي استوقد نارا، وبعضهم يشبهون أصحاب الصيب. ومثله قوله: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة: ١٣٥] [معناه: قال بعضهم: كونوا هودا، وهم اليهود، وقال بعضهم: كونوا نصارى] (٤)، وهم النصارى، فدخلت (أو) لمعنى التفصيل، ومثله قوله: فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: ٤] معناه (٥): فجاء (٦) بعض أهلها بأسنا بياتًا، وجاء بعض أهلها في وقت القيلولة (٧).
وقيل: إن (أو) هاهنا بمعنى الواو (٨)، كقول جرير:

(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٢) بل قول بعضهم، وما ذكره الواحدي هو كلام الزجاج. انظر "معاني القران" ١/ ٦٢، ١٢٩، وانظر "البيان في غريب إعراب القرآن" ١/ ٦٠، ونسب الثعلبي لأهل (المعاني) أنها بمعنى (الواو) ١/ ٥٤ أ.
(٣) في (ب) (فالتفضيل).
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٥) قوله: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ: معناه...) ساقط من (ب).
(٦) في (ب): (وجاء).
(٧) ذكره المرتضى في "أماليه" ٢/ ٥٤، ٥٥، ولم ينسب لأبن الأنباري، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٤٢، وذكره السمين الحلبي، وقال: وهو الأظهر، "الدر المصون" ١/ ١٦٧.
(٨) في (ب) (بمعنى الواحد). وهو قول "الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٤٩، وذكره أبو الليث في "تفسيره" ١/ ٩٩، والفراء في "تفسيره" ١/ ١٧، والثعلبي في "تفسيره" ١/ ٥٤ أ، =

صفحة رقم 199

نَال الخِلاَفَة أوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا كَمَا أتى رَبَه مُوسَى عَلَى قَدَرِ (١)
وقال توبة (٢):
وقَد زَعَمَتْ سَلْمَى بِأَنِّي فَاجِرٌ لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا (٣)
قال النحويون: المعنى أو كأصحاب صيب (٤)، فحذف المضاف
= "القرطبي" في "تفسيره" ١/ ١٨٦، والسمين في "الدر المصون" ١/ ١٦٧. وقد رد ابن عطية على "الطبري" قوله (إنها بمعنى: الواو) وقال: (وهذِه عجمة). انظر "تفسير ابن عطية" ١/ ١٨٩. قلت: كيف تكون عجمة وقد قال به جمهور من المفسرين، وهو أحد (المعاني) التي تأتي (أو) عليها. انظر "تأويل مشكل القرآن" ص ٥٤٣، "الأضداد" لابن الأنباري ص ٢٧٩، "زاد المسير" ١/ ٤٢، "مغنى اللبيب" ١/ ٦١. والقول إن (أو) تأتي بمعنى (الواو) هو مذهب الكوفيين، أما البصريون فيمنعون ذلك. انظر "الإنصاف" ص ٣٨٣. وخلاصة الأقوال في (أو) في الآية هي:
١ - أنها للشك بمعنى أن الناظر يشك في تشبيههم.
٢ - أو للتخيير.
٣ - أنها للتفصيل.
٤ - بمعنى الواو.
٥ - بمعنى بل.
(١) البيت لجرير من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز، انظر (الديوان) ص ٢١١، وفيه: (إذا كانت له قدرا) فلا شاهد فيه هنا، وورد البيت في "الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٤٩، (الأضداد) لابن الأنباري ص ٢٧٩، "أمالي المرتضى" ٢/ ٥٧، "تفسير السجاوندي" ١/ ٣٢ (مخطوط)، "همع الهوامع" ١/ ١٦٧، "مغني اللبيب" ١/ ٦٢، "الدر المصون" ١/ ١٦٧.
(٢) هو توبة بن الحُمَيِّر من بني عقيل بن كعب، وكان شاعرا لصا، أحد العشاق، صاحب ليلى. انظر: "الشعر والشعراء" ص ٢٨٩.
(٣) رواية البيت المشهورة (وقد زعمت ليلى...) فهو يذكر محبوبته ليلى الأخيلية. انظر "أمالي المرتضى" ٢/ ٥٧، و"الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٤٩، "الأضداد" لابن الأنباري ص ٢٧٩، والثعلبي في "تفسيره" ١/ ٥٤ أ، "أمالي القالي" ١/ ٨٨، ١٣١، "همع الهوامع" ٥/ ٢٤٨، "مغني اللبيب" ١/ ٦١.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٦٠، "البيان في غريب إعراب القرآن" ١/ ٦٠، =

صفحة رقم 200

لدلالة باقي الكلام عليه (١) وهو قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ.
و (الصيب) من المطر: الشديد، من قولهم: صاب يصوب، إذا نزل من علو إلى أسفل (٢).
قال:
تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاء يَصُوبُ (٣)
وأصله (صَيْوِب) (٤) فسبقت الياء الواو [بالسكون، فصيرتا (ياء مشددة) كما قالوا: سيِّد وميِّت وهيِّن، وهو أصل مطرد في الياء والواو] (٥) إذا (٦)

= وقال الفراء: (أو كمثل صيب) "معاني القرآن" ١/ ١٧، ونحوه ذكر "الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٤٩.
(١) لأن الواو في (يجعلون) تدل على المضاف المقدر وهو (أصحاب) فهو وإن حذف فمعناه باق فيجوز أن يعود عليه الضمير.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٦٠، و"الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٤٨، (غريب القرآن) لابن قتيبة ١/ ٢٥، "غريب القرآن" لليزيدي ص ٦٥.
(٣) عجز بيت وشطره الأول:
فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكِنْ لمَلأكٍ
نسبه بعضهم لعلقمة بن الفحل، يمدح الحارث بن جبلة، وقيل: لرجل من عبد القيس جاهلي، يمدح بعض الملوك، قاله أبو عبيدة، وقيل: لأبي وجزة السعدي يمدح عبد الله بن الزبير. ورد البيت في "الكتاب" ٤/ ٣٨٠، و"الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٤٨، "المفضليات" ص ٣٩٤، "مجاز القرآن" ص ٣٣، "المنصف" ٢/ ١٠٢، "الجمل" للزجاجي ص ٤٧، "إملاء ما من به الرحمن" ١/ ٢٨، "تفسير ابن عطية" ١/ ١٨٩، "الاشتقاق" لابن دريد ص ٢٦، "اللسان" (صوب) ١/ ٢٥١٩، و (ألك) ١/ ١١١، "الدر المصون" ١/ ١٦٨.
(٤) في (ب): (صيبوب).
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٦) في (ب): (وإذا).

صفحة رقم 201

اجتمعتا وإحداهما (١) ساكنة، تقدمت الواو وتأخرت (٢)، فالمتأخرة كما ذكرنا، والمتقدمة كقولهم: (لويت يده (٣) ليّا). هذا مذهب البصريين (٤). وعند الكوفيين: أن أصله (صييب) (٥) على وزن (فَعِيل)، فاستثقلت (٦) الكسرة على الياء فسكنت، وأدغمت إحداهما في الأخرى، وحركت إلى الكسرة.
وقوله تعالى: مِنَ السَّمَاءِ. قال [الزجاج] (٧): السماء في اللغة: يقال لكل ما ارتفع وعلا قد سما يسمو، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: سماء، لأنها عالية (٨).

(١) في (ب): (وأحديهما).
(٢) هكذا في جميع النسخ ولعل الصواب (أو تأخرت) والله أعلم.
(٣) في (أ)، (ب): (مده ليا). أصل (ليّا) (لويا) فقلبت الواو ياء وإدغمت في الياء، انظر "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٥٨٥.
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ٥٤ ب، و"الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٤٨، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١٤٣ - ١٤٤، "الإملاء" ١/ ٢٢، وابن عطية في "تفسيره" ١/ ١٨٩، "الإنصاف" ص ٦٣٩.
(٥) في (أ)، (ب): (صيب) وما في (ج) موافق لما عند الثعلبي، وهو ما أثبته. وقيل: أصله عندهم (صوِيب) وردَّ بأنه لو كان كذلك لصحت (الواو) كما تصح في (طويل). انظر "إعراب القرآن" للنحاس١/ ١٤٣ - ١٤٤، "الإملاء" ١/ ٢٢، "الإنصاف" ص ٦٣٩، وابن عطية في "تفسيره" ١/ ١٨٩، "القرطبي" في "تفسيره" ١/ ١٨٦.
(٦) في (ب): (فاستقلت).
(٧) في جميع النسخ (الرجال) والصحيح (الزجاج) كما في "تهذيب اللغة" (سما) ٢/ ١٧٤٧.
(٨) انظر كلام الزجاج في "معاني القرآن" ١/ ٧٥، "التهذيب" (سما) ٢/ ١٧٤٨، والنص من "التهذيب".

صفحة رقم 202

الأزهري: و (السماء) عند العرب مؤنثة، لأنها جمع (سماءة) (١)، و (السماءة) أصلها سَمَاوَة فاعلم. وإذا ذكرت العرب السماء عنوا بها السقف (٢).
وأما (الرعد)، فقال ابن عباس: الرعد ملك يسوق السحاب، كما يسوق الحادي الإبل بحدائه (٣).
وكذلك قال مجاهد وطاووس (٤) وعكرمة وأصحاب ابن عباس: إن الرعد ملك يسوق السحاب، والرعد الذي هو الصوت سمي باسمه (٥).

(١) في "التهذيب" (وسبق الجمع الوحدان فيها) ٢/ ١٧٤٧.
(٢) "تهذيب اللغة" (سما) ٢/ ١٧٤٨.
(٣) في (ج): (بحاديه). ذكره "الطبري" بسنده عن الضحاك، وعن السدي عن أبي مالك، وعن مجاهد، وعن شهر بن حوشب، وكلهم عن ابن عباس. انظر "الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٥٠ - ١٥١، وقد أخرج أبن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعا في سؤال اليهود للرسول ﷺ وفيه: (ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب) قال المحقق. إسناده حسن. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٢٢١ (رسالة دكتوراه)، وأخرجه أحمد في "مسنده"، قال أحمد شاكر: (إسناده صحيح). انظر: "مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر" ٤/ ١٦١ ح (٣٤٨٣)، وذكر الحديث الشوكاني في "فتح القدير" وقال: في إسناده مقال. "فتح القدير" ١/ ٧٧.
(٤) هو أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني، من أبناء الفرس، أحد أعلام التابعين، ومن كبار أصحاب ابن عباس، توفي سنة خمس ومائة، وقيل: ست. انظر ترجمته في: (وفيات الأعيان) ٢/ ٥٠٩، "سير أعلام النبلاء" ٥/ ٣٨، "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٣٥، "غاية النهاية" ١/ ٣٤١.
(٥) انظر الروايات عنهم في "الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٥٠ - ١٥١، والثعلبي في "تفسيره" ١/ ٥٥ أ، "زاد المسير" ١/ ٤٣، وابن عطية في "تفسيره" ١/ ١٨٩، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٦٩، "القرطبي" في "تفسيره" ١/ ٢١٧، (فتح القدير) ١/ ٧٧.

صفحة رقم 203

وكتب ابن عباس إلى أبي (١) الجَلْد يسأله عن الرعد، فقال: هو ريح يختنق تحت السماء وفوق السحاب (٢).
وسئل علي -رضي الله عنه- عن الرعد، فقال: ملك، وعن البرق، فقال: مخاريق بأيدى الملائكة من حديد (٣).
وسئل وهب بن منبه (٤) عن الرعد، فقال: الله أعلم (٥).
ويقال: برقت السماء ورعدت، ومنه يقال: برق الرجل ورعد، إذا تهدد وأوعد (٦). وأبرق وأرعد - أيضا في قول أبي عبيدة، وأنكره الأصمعي.

(١) في (ب): (أبي الخلد) هو أبو الجَلْد بفتح الجيم وسكون اللام، جيلان بن أبي فروة الأسدي البصري، وجِيلان بكسر الجيم، وثقه أحمد. انظر "الجرح والتعديل" ٢/ ٥٤٧، "طبقات ابن سعد" ٧/ ٢٢٢.
(٢) أخرجه "الطبري" من طرق في "تفسيره" ١/ ١٥٢، وأبن أبي حاتم، وقال المحقق إسناده حسن "تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٢٢٢.
(٣) أخرجه "الطبري" بروايتين، إحداهما عن الرعد، والأخرى عن البرق، "الطبري" ١/ ١٥١ - ١٥٢، وأخرج ابن أبي حاتم عنه في (البرق) في "تفسيره" ١/ ٥٥، ونحوه في الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٥٥ أ، وانظر "القرطبي" في "تفسيره" ١/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٤) أبو عبد الله، وهب بن منبه اليماني، صاحب القصص والأخبار، كانت له معرفة بأخبار الأوائل والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وثقه أكثرهم، وضعفه عمرو بن علي الفلاس. توفي سنة عشر ومائة. وقيل: ست عشرة، وبينهما أقوال. انظر "طبقات ابن سعد" ٥/ ٥٤٣، "حلية الأولياء" ٤/ ٢٣، "وفيات الأعيان" ٦/ ٣٥، "تهذيب التهذيب" ٤/ ٣٣٢.
(٥) مما أحسن هذا الجواب!، والله لم يكلف الأمة بعلمه، لاسيما أن مثل هذا لا يثبت إلا بنص صحيح صريح، أو بدلالة حسية جازمة، والعلم به لا يتعلق به حكم من الأحكام، والله أخبر أن الرعد يسبح بحمده، وهو دلالة على عظمة الخالق سبحانه.
(٦) ذكره الأزهري عن الأصمعي. "التهذيب" (برق) ١/ ٣١٥، وانظر "مقاييس اللغة" (برق) ١/ ٢٢٣.

صفحة رقم 204

وكلهم يقول: أبرقنا وأرعدنا بمكان كذا، أي رأينا البرق والرعد (١). والبارق السحاب ذو البرق، وكذلك البارقة (٢).
وأما (الصواعق)، فهي جمع صاعقة، والصاعقة والصعقة: الصيحة يغشى منها على من يسمعها أو يموت (٣). قال الله عز وجل: وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ١٣] يعني أصوات الرعد، ويقال لها: الصواقع (٤) أيضا ومنه قول الأخطل:

كَأنَّمَا كانُوا غُرَاباً وَاقِعا فَطارَ لمَّا أبْصَرَ الصَّوَاقِعا (٥)
ويقال: أصعقته الصيحة، أي: قتلته. وأنشد الفراء:
أُحادَ وَمثنى أصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُه (٦)
(١) "التهذيب" (برق) ١/ ٣١٥، "معجم مقاييس اللغة" ١/ ٢٢٣.
(٢) "تهذيب اللغة" (برق) ٩/ ١٣٢، "معجم مقاييس اللغة" ١/ ٢٢٢.
(٣) وقيل: الصاعقة قطعة من نار تسقط بأثر الرعد، لا تأتي على شيء إلا أحرقته. انظر "اللسان" (صعق) ٤/ ٢٤٥٠.
(٤) بتقديم القاف على العين.
(٥) أنشده الأزهري في "تهذيب اللغة" (صعق) ٢/ ١٠١٨، وورد في "اللسان" (صقع) ٤/ ٢٤٧١، وفي شعر الأخطل ورد شطره الأول ص ٣١٠. نقله من "تهذيب اللغة" (صعق) ٢/ ١٠١٨.
(٦) البيت لابن مقبل، يصف فرساً بشدة الصهيل، وأن صهيله يقتل الذباب، وهي
النعرات: ذباب يسقط على الدواب، واللبان: الصدر. وشطر البيت الأول:
تَرى النُّعَرَاتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لَبَانِه
انظر: "أمالي المرتضى" ٢/ ١٩١، "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" ٢/ ٧٧٨، "تهذيب اللغة" (صعق) ٢/ ٢٠١٨، "الصحاح" (صعق) ٤/ ١٥٠٧، "اللسان" (صعق) ٤/ ٢٤٥٠، "همع الهوامع" ١/ ٨٣، "القرطبي" ١/ ١٩٠، "ديوان ابن مقبل" ص ٢٥٢.

صفحة رقم 205

أي قتلها صوته.
ويقال للرعد والبرق إذا [قتلا] (١) إنسانا: أصابته صاعقة، وقال لبيد يرثي أخاه أَرْبَد (٢):

فَجَّعَنِي الرَّعْدُ والصَوَاعِقُ بالْـ ـفَارِس يَوْمَ الكَرِيَهةِ النَّجُدِ (٣)
أراد بالصواعق صوت الرعد، يدل على هذا قوله (٤) عز وجل: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ ولا يسدّون الآذان إلا من شدة صوت الرعد (٥).
وقال آخرون: الصاعقة: كل عذاب مهلك (٦).
وقيل: الصاعقة: الصوت الشديد من الرعد، يسقط معها قطعة نار (٧).
فأما معنى الآية، فقال المفسرون: إن الله تعالى ضرب للمنافقين مثلًا آخر، وشبههم بأصحاب مطر. وأراد بالمطر: القرآن (٨)،
(١) في جميع النسخ (قتل) وأثبت ما في "تهذيب اللغة" ٢/ ٢٠١٨.
(٢) (أرْبَد) أخوه لأمه، وهو ابن عمه، وكانت قد أصابته صاعقة، لما دعا عليه الرسول صلى الله عيه وسلم انظر "الشعر والشعراء" ص ١٦٩، "سيرة ابن هشام" ٢/ ٢٣٦، "الخزانة" ٢/ ٢٥٠، ٣/ ٨١.
(٣) البيت للبيد يرثي أخاه وقد أصابته صاعقة، انظر "التهذيب" (صعق) ٢/ ٢٠١٨، "اللسان" (صعق) ٤/ ٢٤٥٠، "شرح ديوان لبيد" ص ١٥٨.
(٤) في (ب): (قول الله).
(٥) "تهذيب اللغة" (صعق) ٢/ ٢٠١٨.
(٦) "اللسان" (صعق) ٤/ ٢٤٥٠.
(٧) "الصحاح" (صعق) ٤/ ١٥٠٦، "اللسان" ٤/ ٢٤٥٠، "تفسير ابن عطية" ١/ ١٩١ - ١٩٢.
(٨) انظر: "تفسير أبي الليث" ١/ ١٠٠، وابن عطية في "تفسيره" ١/ ١٩٢، وبعضهم قال: الإسلام، انظر "الكشاف" ١/ ٢٠٩، وأما ابن جرير فقال: (فالصيب مثل لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق، والظلمات التي هي فيه =

صفحة رقم 206

وشبهه (١) بالمطر لما فيه من حياة القلوب، وعنى بالظلمات: ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك وبيان الفتن والأهوال، فشبهها بما في المطر من الظلمات، وشبه ما خوفوا به من الوعيد وذكر النار بما في المطر من الرعد، وشبه حجج القرآن وما فيه من البيان والنور والشفاء والهدى بما في المطر من البرق. وشبه جعل المنافقين أصابعهم في آذانهم لكيلا يسمعوا (٢) القرآن مخافة ميل القلب إلى القرآن فيؤدي ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ وذلك عندهم كفر، والكفر موت (٣)، أو لكيلا يسمعوا ما ينزل من القرآن بما فيه افتضاحهم بجعل (٤) الذي في هذا المطر أصابعه في أذنه. وتلخيص معناه: أن أصحاب الصيب إذا اشتد (٥) عليهم وقع الصاعقة وصوت الرعد خافوا على أنفسهم الهلاك، فسدّوا آذانهم بأصابعهم، كذلك هؤلاء المنافقين يسدّون آذانهم للمعنيين اللذين ذكرنا.

= لظلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلب. وأما الرعد والصواعق، فلما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله ﷺ في آي كتابه...) "الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٥٦.
(١) في (ب): (وشبه).
(٢) في (أ)، (ج): (يسمعون).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٥٦ أ.
(٤) قوله: (بجعل الذي في هذا المطر... إلخ) متعلق بقوله: (وشبه جعل المنافقين... إلخ) وقد ضعف هذا المعنى ابن جرير ورجح أن المراد بجعل أصابعهم في آذانهم مثلا لاتقائهم رسول الله ﷺ والمؤمنين، بالإقرار بما جاء به محمد ﷺ مخافة على أنفسهم من الهلاك ونزول النقمات فيتقون بما يبدون بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقي الخائف أصوات الرعد بتصيير أصابعه في أذنيه. "الطبري" ١/ ١٥٧.
(٥) في (ب): (استدعاهم).

صفحة رقم 207

وأمال الكسائي: فِي آذَانِهِمْ (١). قال أبو علي: (وهي حسنة لمكان كسرة (٢) الإعراب (٣) في النون (٤)، كما جازت في مررت ببابه (٥). ونصب حَذَرَ الْمَوْتِ لأنه مفعول له (٦).
قال الزجاج: وليس نصبه لسقوط اللام، وإنما نصبه أنه في تأويل المصدر، كأنه (٧) قال: يحذرون حذرا (٨)، لأن جعل الأصابع في الآذان يدل على الحذر، كما قال:
وَأَغْفِر عَوْرَاءَ الكَرِيِم ادِّخَارَهُ (٩)

(١) رواية أبي عمر الدوري ونصير بن يوسف النحوي عن الكسائي، وقال أبو الحارث الليث بن خالد وغيره: كان الكسائي لا يميل هذا وأشباهه، وبقية (السبعة) على الفتح. انظر "السبعة" لابن مجاهد ص ١٤٤، "الحجة" ١/ ٣٦٥، "الكشف" ١/ ١٧١.
(٢) في (الحجة) (كثرة) ولعله خطأ مطبعي.
(٣) في (ب): (الأعراف).
(٤) فهو يميل الألف نحو الياء لمكان الكسرة بعدها التي على النون. انظر "الكشف" ١/ ١٧١.
(٥) في (ب): (سانه)، "الحجة" ١/ ٣٦٨.
(٦) (له) ساقطة من (ج).
انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٦٣، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ١٤٤، "البيان في غريب إعراب القرآن" ١/ ٦١.
(٧) في (أ)، (ج) (لأنه) وما في (ب) أصح في السياق، وموافق لما في "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٦٣.
(٨) الزجاج يرى أنه منصوب على أنه مفعول لأجله، حيث قال: (وإنما نصبت (حذر الموت) لأنه مفعول له، والمعنى يفعلون ذلك لحذر الموت...)، ثم قال: (... كأنه قال يحذرون حذرا...). وهذا التقدير لا يتناسب مع الكلام الأول، لأنه في الأخير مفعول مطلق. انظر "معاني القرآن" ١/ ٦٣.
(٩) صدر بيت لحاتم الطائي وعجزه: =

صفحة رقم 208

المعنى لادخاره. قوله: أغفر عوراء الكريم، معناه: أدخر الكريم (١).
وقال الفراء: نصبه على التفسير كقوله: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء: ٩٠] وكقوله: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥].
وقوله تعالى: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ. يقال: أُحِيط بفلان، إذا دنا هلاكه، وهو (٢) محاط به، قال الله تعالى: وَأُحِيطَ بثَمَرِهِ [الكهف: ٤٢]، أي: أصابه ما أهلكه وأفسده (٣).
والإحاطة تستعمل بمعنى العلم (٤) كقوله: أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢] أي: لم يشذ عن علمه شيء. ويستعمل بمعنى القدرة، كأن قدرته أحاطت بهم (٥)، فلا محيص (٦) لهم عنه.
وجاء في التفسير أن معناه: والله مهلكهم وجامعهم في النار (٧). دليله

= وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيم تَكَرُّمَا
ومعنى قوله عوراء: الكلمة القبيحة أو الفعلة، ادخاره: إبقاء عليه. ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص ٣٥٥، وسيبويه ١/ ٣٦٨، "المقتضب" ٢/ ٣٤٧ "الكامل" ١/ ٢٩١، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٦٣، "الجمل" للزجاجي ص ٣١٩، "شرح المفصل" ٢/ ٥٤، "الخزانة" ٣/ ١٢٢، "ديوانه" ص ٨١، وفيه (اصطناعه) بدل (ادخاره) وهي رواية عند أبي زيد، "الكشاف" ١/ ٢١٨.
(١) انتهى من "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٦٣.
(٢) في "التهذيب" (فهو محاط به).
(٣) "تهذيب اللغة" (حاط) ١/ ٧٠٧.
(٤) انظر "الصحاح" (حوط) ٣/ ١١٢١، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٧٠.
(٥) انظر "تفسير الثعلبي" ١/ ٥٥ أ، و"الطبري" في تفسيره ١/ ١٥٨.
(٦) في (ب) (له).
(٧) ذكره "الطبري" عن مجاهد انظر "الطبري" في "تفسيره" ١/ ١٥٨، والثعلبي في "تفسيره" ١/ ٥٥ أ، وابن عطية في "تفسيره" ١/ ١٩٣، في تفسيره والبغوي ١/ ٧٠، (أضواء البيان) ١/ ١١٤.

صفحة رقم 209

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية