ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

الْأَعْمَى وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى التَّوْزِيعِ فَلَا يُفْهَمُ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَالْأَصَمِّ وَبَعْضَهُمْ كَالْأَبْكَمِ وَبَعْضَهُمْ كَالْأَعْمَى، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَهْلِ الْبَيَانِ. قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» :((فَإِنْ قُلْتَ هَلْ يُسَمَّى مَا فِي الْآيَةِ اسْتِعَارَةٌ قُلْتُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى تَسْمِيَتِهِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا لَا اسْتِعَارَةً لِأَنَّ الْمُسْتَعَارَ لَهُ مَذْكُورٌ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ)) اهـ أَيْ لِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ تَعْتَمِدُ عَلَى لَفْظِ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ أَوِ الْمُسْتَعَارِ لَهُ فِي جُمْلَةِ الِاسْتِعَارَةِ فَمَتَى ذُكِرَا مَعًا فَهُوَ تَشْبِيهٌ، وَلَا يَضُرُّ ذِكْرُ لَفْظِ الْمُسْتَعَارِ لَهُ فِي غَيْرِ جُمْلَةِ الِاسْتِعَارَةِ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَوْلَا الْعِلْمُ بِالْمُسْتَعَارِ لَهُ فِي الْكَلَامِ لَمَا ظَهَرَتِ الِاسْتِعَارَةُ وَلِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْعَمِيدِ:

قَامَتْ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ نَفْسٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِي
قَامَتْ تُظَلِّلُنِي وَمِنْ عَجَبٍ شَمَّسٌ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ
أَنَّ قَوْلَهُ شَمْسٌ اسْتِعَارَةٌ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ الْمُسْتَعَارِ لَهُ قَبْلُ فِي قَوْلِهِ نَفْسٌ أَعَزُّ، وَضَمِيرُهَا فِي قَوْلِهِ قَامَتْ تُظَلِّلُنِي وَكَذَا إِذَا لَفْظُ الْمُسْتَعَارِ غَيْرَ مَقْصُودِ ابْتِنَاءِ التَّشْبِيهِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنَ الِاسْتِعَارَةِ كَقَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ ابْنِ طَبَاطَبَا:
لَا تَعْجَبُوا مِنْ بِلَي غَلَالَتِهِ قَدْ زَرَّ أَزْرَارَهُ عَلَى الْقَمَرِ
فَإِنَّ الضَّمِيرَ لَمْ يُذْكَرْ لِيُبْنَى عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ بَلْ جَاءَ التَّشْبِيهُ عَقِبَهُ.
وَالصُّمُّ وَالْبُكْمُ وَالْعُمْيُ جَمْعُ أَصَمَّ وَأَعْمَى وَأَبْكَمَ وَهُمْ مَنِ اتَّصَفَ بِالصَّمَمِ وَالْبَكَمِ وَالْعَمَى، فَالصَّمَمُ انْعِدَامُ إِحْسَاسِ السَّمْعِ عَمَّنْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا، وَالْبَكَمُ انْعِدَامُ النُّطْقِ عَمَّنْ مِنْ شَأْنِهِ النُّطْقُ، وَالْعَمَى انْعِدَامُ الْبَصَرِ عَمَّنْ مِنْ شَأْنِهِ الْإِبْصَارُ.
وَقَوْلُهُ: فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ لِأَنَّ مَنِ اعْتَرَاهُ هَذِهِ
الصِّفَاتُ انْعَدَمَ مِنْهُ الْفَهْمُ وَالْإِفْهَامُ وَتَعَذَّرَ طَمَعُ رُجُوعِهِ إِلَى رُشْدٍ أَوْ صَوَابٍ. وَالرُّجُوعُ الِانْصِرَافُ مِنْ مَكَانِ حُلُولٍ ثَانٍ إِلَى مَكَانِ حُلُولٍ أَوَّلٍ وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي الْإِقْلَاعِ عَنِ الْكُفْرِ.
[١٩]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٩]
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩)
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ.
عَطْفٌ عَلَى التَّمْثِيلِ السَّابِقِ وَهُوَ قَوْلُهُ: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارا [الْبَقَرَة: ١٧] أُعِيدَ تَشْبِيهُ حَالِهِمْ بِتَمْثِيلٍ آخَرَ وَبِمُرَاعَاةِ أَوْصَافٍ أُخْرَى فَهُوَ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْمُنَافِقِينَ الْمُخْتَلِطَةِ بَيْنَ جَوَاذِبَ وَدَوَافِعَُُ

صفحة رقم 314

حِينَ يُجَاذِبُ نُفُوسَهُمْ جَاذِبُ الْخَيْرِ عِنْدَ سَمَاعِ مَوَاعِظِ الْقُرْآنِ وَإِرْشَادِهِ، وَجَاذِبُ الشَّرِّ مِنْ أَعْرَاقِ النُّفُوسِ وَالسُّخْرِيَةِ بِالْمُسْلِمِينَ، بِحَالِ صَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ اخْتَلَطَتْ فِيهِ غُيُوثٌ وَأَنْوَارٌ وَمُزْعِجَاتٌ وَأَكْدَارٌ، جَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ بُلَغَاءِ الْعَرَبِ فِي التَّفَنُّنِ فِي التَّشْبِيهِ وَهُمْ يتنافسون فِيهِ لَا سِيمَا التَّمْثِيلِيُّ مِنْهُ وَهِيَ طَرِيقَةٌ تَدُلُّ عَلَى تَمَكُّنِ الْوَاصِفِ مِنَ التَّوْصِيفِ وَالتَّوَسُّعِ فِيهِ.
وَقَدِ اسْتَقْرَيْتُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِمْ فَرَأَيْتُهُمْ قَدْ يَسْلُكُونَ طَرِيقَةَ عَطْفِ تَشْبِيهٍ عَلَى تَشْبِيهٍ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ فِي مُعَلَّقَتِهِ:

أَصَاحِ تَرَى بَرْقًا أُرِيكَ وَمِيضَهُ كَلَمْعِ الْيَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيحِ رَاهِبٍ أَمَالَ السَّلِيطُ بِالذُّبَالِ الْمُفَتَّلِ
وَقَوْلِ لَبِيدٍ فِي مُعَلَّقَتِهِ يَصِفُ رَاحِلَتَهُ:
فَلَهَا هِبَابٌ فِي الزِّمَامِ كَأَنَّهَا صَهْبَاءُ خَفَّ مَعَ الْجَنُوبِ جِهَامُهَا
أَوْ مُلْمِعٍ وَسَقَتْ لِأَحْقَبَ لَاحَهُ طَرْدُ الْفُحُولِ وَضَرْبُهَا وَكِدَامُهَا (١)
وَكَثُرَ أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ فِي نَحْوِهِ بَأَوْ دُونَ الْوَاوِ، وَأَوْ مَوْضُوعَةٌ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوِ الْأَشْيَاءِ فَيَتَوَلَّدُ مِنْهَا مَعْنَى التَّسْوِيَةِ وَرُبَّمَا سَلَكُوا فِي إِعَادَةِ التَّشْبِيهِ مَسْلَكَ الِاسْتِفْهَامِ بِالْهَمْزَةِ
أَيْ لِتَخْتَارَ التَّشْبِيهَ بِهَذَا أَمْ بِذَلِكَ وَذَلِكَ كَقَوْلِ لَبِيدٍ عَقِبَ الْبَيْتَيْنِ السَّابِقِ ذِكْرُهُمَا:
أَفَتِلْكَ أَمْ وَحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ خَذَلَتْ وَهَادِيَةُ الصِّوَارِ قِوَامُهَا (٢)
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ فِي تَشْبِيهِ سَيْرِ نَاقَتِهِ الْحَثِيثِ:
وَثْبَ الْمُسَحَّجُ مِنْ عَانَاتِ مُعَقُلَةٍ كَأَنَّهُ مُسْتَبَانُ الشَّكِّ أَوْ جَنِبُُُ
_________
(١) الهباب- بِكَسْر الْهَاء- مصدر كالهبوب وَهُوَ النهوض والنشاط. والصهباء: السحابة المائل لَوْنهَا للسواد. والجهام: السَّحَاب لَا مطر فِيهِ وَهُوَ خَفِيف السّير. والملمع: الَّتِي استبان حملهَا، وَأَرَادَ الأتان ووسقت: حملت. والأحقب: هُوَ حمَار الْوَحْش وَقَوله: لأحقب أَي من أحقب. ولاحه:
غَيره. وطرد الفحول: خصامها. والكدام- بِكَسْر الْكَاف- العض.
(٢) المسبوعة: الَّتِي أكل السَّبع وَلَدهَا. وخذلت بِمَعْنى تَأَخَّرت عَن صواحبها فِي الرواح. والهادية الْمُتَقَدّمَة. والصوار- بِكَسْر الصَّاد- قطيع الْغنم. والقوام- بِكَسْر الْقَاف- مَا بِهِ يقوم الْأَمر أَي تَأَخَّرت النعجة الوحشية وَلم تهتد بمقدمة القطيع.

صفحة رقم 315

ثُمَّ قَالَ:

أَذَاكَ أَمْ نَمِشٌ بِالْوَشْيِ أَكْرُعُهُ مُسَفَّعُ الْخَدِّ غَادٍ نَاشِعٌ شَبَبُ
ثُمَّ قَالَ:
أَذَاكَ أَمْ خَاضِبٌ بِالسِّيِّ مَرْتَعُهُ أَبُو ثَلَاثِينَ أَمْسَى وَهْوَ مُنْقَلِبُ (١)
وَرُبَّمَا عَطَفُوا بِالْوَاوِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ [الزمر: ٢٩] الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [النَّحْل: ٧٦] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ:
مَا يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [فاطر:
١٩- ٢١] الْآيَةَ بَلْ وَرُبَّمَا جَمَعُوا بِلَا عَطْفٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ [الْأَنْبِيَاء: ١٥] وَهَذِهِ تَفَنُّنَاتٌ جَمِيلَةٌ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ فَمَا ظَنُّكَ بِهَا إِذَا وَقَعَتْ فِي التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ فَإِنَّهُ لِعِزَّتِهِ مُفْرَدًا تَعِزُّ استطاعة تكريره.
و (أَو) عَطَفَتْ لَفْظَ (صَيِّبٍ) عَلَى الَّذِي اسْتَوْقَدَ [الْبَقَرَة: ١٧] بِتَقْدِيرِ مَثَلِ بَيْنِ الْكَافِ وَصَيِّبٍ. وَإِعَادَةُ حَرْفِ التَّشْبِيهِ مَعَ حَرْفِ الْعَطْفِ الْمُغْنِي عَنْ إِعَادَةِ الْعَامِلِ، وَهَذَا التَّكْرِيرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي كَلَامِهِمْ وَحُسْنُهُ هُنَا أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ الْمُشَبَّهَيْنِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ
وَهُمْ فِي الْغَالِبِ لَا يُكَرِّرُونَهُ فِي الْعَطْفِ.
وَالتَّمْثِيلُ هُنَا لِحَالِ الْمُنَافِقِينَ حِينَ حُضُورِهِمْ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمَاعِهِمُ الْقُرْآنَ وَمَا فِيهِ مِنْ آيِ الْوَعِيدِ لِأَمْثَالِهِمْ وَآيِ الْبِشَارَةِ، فَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا التَّمْثِيلِ تَمْثِيلُ حَالَةٍ مُغَايِرَةٍ لِلْحَالَةِ الَّتِي مُثِّلَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ [الْبَقَرَة: ١٧] بِنَوْعِ إِطْلَاقٍ وَتَقْيِيدٍ.
فَقَوْلُهُ: أَوْ كَصَيِّبٍ تَقْدِيرُهُ أَوْ كَفَرِيقٍ ذِي صَيْبٍ أَيْ كَقَوْمٍ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ دَلَّ عَلَى تَقْدِيرِ قَوْمٍ قَوْلُهُ: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَقَوْلُهُُُ:
_________
(١) قَوْله: أذاك: الْإِشَارَة إِلَى حمَار الْوَحْش فِي الأبيات قبله، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ بالمسحج. والمسحج:
المكدوم وَهُوَ من الصِّفَات الْغَالِبَة على حمَار الْوَحْش لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن كدام فِي جلده من العراك مَعَ الْحمر، والنمش- بِكَسْر الْمِيم- الَّذِي بِهِ النمش بِفَتْحِهَا وَهُوَ نقط بيض وسود، وَأَرَادَ بِهِ الثور الوحشي. والوشي: التخطيط. والمسفع: الْأسود. والشبب: المسن من ثيران الْوَحْش. وَقَوله خاضب أَرَادَ ذكر النعام فَإِنَّهُ إِذا أكل بقل الرّبيع احْمَرَّتْ ساقاه. والسي- بِكَسْر السِّين وَتَشْديد الْيَاء- المستوي من الأَرْض. وَأَبُو ثَلَاثِينَ أَي لَهُ ثَلَاثِينَ فرخا وَذَلِكَ عدد مَا يبيض النعام. ومنقلب: رَاجع لفراخه فَهُوَ شَدِيد السّير.

صفحة رقم 316

يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ [الْبَقَرَة: ٢٠]. الْآيَةَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ عَوْدُهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ فَلَا يَجِيءُ فِيهِ مَا جَازَ فِي قَوْلِهِ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [الْبَقَرَة: ١٧] إِلَخْ. فَشُبِّهَتْ حَالُ الْمُنَافِقِينَ بِحَالِ قَوْمٍ سَائِرِينَ فِي لَيْلٍ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَصَابَهَا الْغَيْثُ وَكَانَ أَهْلُهَا كَانِّينَ فِي مَسَاكِنِهِمْ كَمَا عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ [الْبَقَرَة: ٢٠] فَذَلِكَ الْغَيْثُ نَفَعَ أَهْلَ الْأَرْضِ وَلَمْ يُصِبْهُمْ مِمَّا اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ ضُرٌّ وَلَمْ يَنْفَعِ الْمَارِّينَ بِهَا وَأَضَرَّ بِهِمْ مَا اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ وَالرَّعْدِ وَالْبَرْقِ، فَالصَّيِّبُ مُسْتَعَارٌ لِلْقُرْآنِ وَهُدَى الْإِسْلَامِ وَتَشْبِيهُهُ بِالْغَيْثِ وَارِدٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى كَمَثَلِ الْغَيْثِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ»
إِلَخْ. وَفِي الْقُرْآنِ: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ [الْحَدِيد: ٢٠].
وَلَا تَجِدُ حَالَةً صَالِحَةً لِتَمْثِيلِ هَيْئَةِ اخْتِلَاطِ نَفْعٍ وَضُرٍّ مِثْلَ حَالَةِ الْمَطَرِ وَالسَّحَابِ وَهُوَ مِنْ بَدِيعِ التَّمْثِيلِ الْقُرْآنِيِّ، وَمِنْهُ أَخَذَ أَبُو الطَّيِّبِ قَوْلَهُ:

فَتًى كَالسَّحَابِ الْجَوْنِ يُرْجَى وَيُتَّقَى يَرَجَّى الْحَيَا مِنْهُ وَتُخْشَى الصَّوَاعِقُ
وَالظُّلُمَاتُ مُسْتَعَارٌ لِمَا يَعْتَرِي الْكَافِرِينَ مِنَ الْوَحْشَةِ عِنْدَ سَمَاعِهِ كَمَا تَعْتَرِي السَّائِرَ فِي اللَّيْلِ وَحْشَةُ الْغَيْمِ لِأَنَّهُ يَحْجُبُ عَنْهُ ضَوْءَ النُّجُومِ وَالْقَمَرِ، وَالرَّعْدُ لِقَوَارِعِ الْقُرْآنِ وَزَوَاجِرِهِ، وَالْبَرْقُ لِظُهُورِ أَنْوَارِ هَدْيِهِ مِنْ خِلَالِ الزَّوَاجِرِ فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْمُرَكَّبَ التَّمْثِيلِيَّ صَالِحٌ لِاعْتِبَارَاتِ تَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ وَهُوَ أَعْلَى التَّمْثِيلِ.
وَالصَّيِّبُ فَيْعَلٌ مِنْ صَابَ يُصُوبُ صَوْبًا إِذَا نَزَلَ بِشِدَّةٍ، قَالَ الْمَرْزُوقِيُّ إِنَّ يَاءَهُ لِلنَّقْلِ مِنَ الْمَصْدَرِيَّةِ إِلَى الْإِسْمِيَّةِ فَهُوَ وَصْفٌ لِلْمَطَرِ بِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ كَثَافَةِ السَّحَابِ وَمِنْ ظَلَامِ اللَّيْلِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: مِنَ السَّماءِ لَيْسَ بِقَيْدٍ لِلصَّيِّبِ وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ كَاشِفٌ جِيءَ بِهِ
لِزِيَادَةِ اسْتِحْضَارِ صُورَةِ الصَّيِّبِ فِي هَذَا التَّمْثِيلِ إِذِ الْمَقَامُ مَقَامُ إِطْنَابٍ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
إِذْ قَدْ عَلِمَ السَّامِعُ أَنَّ السَّيْلَ لَا يَحُطُّ جُلْمُودَ صَخْرٍ إِلَّا مِنْ أَعْلَى وَلَكِنَّهُ أَرَادَ التَّصْوِيرَ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الْأَنْعَام: ٣٨]، وَقَوْلِهِ: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ [الْأَنْعَام: ٧١] وَقَالَ تَعَالَى: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الْأَنْفَال: ٣٢].
وَالسَّمَاء تُطْلَقُ عَلَى الْجَوِّ الْمُرْتَفِعِ فَوْقَنَا الَّذِي نَخَالُهُ قُبَّةً زَرْقَاءَ، وَعَلَى الْهَوَاءِ الْمُرْتَفِعِ قَالَ تَعَالَى: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ [إِبْرَاهِيم: ٢٤] وَتُطْلَقُ عَلَى السَّحَابِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْمَطَرُُِ

صفحة رقم 317

نَفْسِهِ
فَفِي الْحَدِيثِ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِثْرَ سَمَاءٍ»
إِلَخْ، وَلَمَّا كَانَ تَكَوُّنُ الْمَطَرِ مِنَ الطَّبَقَةِ الزَّمْهَرِيرِيَّةِ الْمُرْتَفِعَةِ فِي الْجَوِّ جُعِلَ ابْتِدَاؤُهُ مِنَ السَّمَاءِ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِنَ السَّماءِ تَقْيِيدًا لِلصَّيِّبِ إِمَّا بِمَعْنَى مِنْ جَمِيعِ أَقْطَارِ الْجَوِّ إِذَا قُلْنَا إِنَّ التَّعْرِيفَ فِي السَّمَاءِ لِلِاسْتِغْرَاقِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ» عَلَى بُعْدٍ فِيهِ إِذْ لَمْ يُعْهَدُ دُخُولُ لَامِ الِاسْتِغْرَاقِ إِلَّا عَلَى اسْمٍ كُلِّيٍّ ذِي أَفْرَادٍ دُونَ اسْمِ كُلٍّ ذِي أَجْزَاءٍ فَيَحْتَاجُ لِتَنْزِيلِ الْأَجْزَاءِ مَنْزِلَةَ أَفْرَادِ الْجِنْسِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي إِنْ جَعَلْنَا قَوْلَهُ: مِنَ السَّماءِ قَيْدًا لِلصَّيِّبِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السَّمَاءِ أَعْلَى الِارْتِفَاعِ وَالْمَطَرُ إِذَا كَانَ مِنْ سَمْتٍ مُقَابِلٍ وَكَانَ عَالِيًا كَانَ أَدْوَمَ بِخِلَافِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ جَوَانِبِ الْجَوِّ وَيَكُونُ قَرِيبًا مِنَ الْأَرْضِ غَيْرَ مُرْتَفِعٍ. وَضَمِيرُ (فِيهِ) عَائِدٌ إِلَى (صَيِّبٍ) وَالظَّرْفِيَّةُ مَجَازِيَّةٌ بِمَعْنَى مَعَهُ، وَالظُّلُمَاتُ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ آنِفًا.
وَالْمُرَادُ بِالظُّلُمَاتِ ظَلَامُ اللَّيْلِ أَيْ كَسَحَابٍ فِي لَوْنِهِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وَسَحَابَةُ اللَّيْلِ أَشَدُّ مَطَرًا وَبَرْقًا وَتُسَمَّى سَارِيَةً. وَالرَّعْدُ أَصْوَاتٌ تَنْشَأُ فِي السَّحَاب. والبرق لَا مَعَ نَارِيٌّ مُضِيءٌ يَظْهَرُ فِي السَّحَابِ، وَالرَّعْدُ وَالْبَرْقُ يَنْشَآنِ فِي السَّحَابِ مِنْ أَثَرٍ كَهْرَبَائِيٍّ يَكُونُ فِي السَّحَابِ فَإِذَا تَكَاثَفَتْ سَحَابَتَانِ فِي الْجَوِّ إِحْدَاهُمَا كَهْرَبَاؤُهَا أَقْوَى مِنْ كَهْرَبَاءِ الْأُخْرَى وَتَحَاكَّتَا جَذَبَتِ الْأَقْوَى مِنْهُمَا الْأَضْعَفَ فَحَدَثَ بِذَلِكَ انْشِقَاقٌ فِي الْهَوَاءِ بِشِدَّةٍ وَسُرْعَةٍ فَحَدَثَ صَوْتٌ قَوِيٌّ هُوَ الْمُسَمَّى الرَّعْدَ وَهُوَ فَرْقَعَةٌ هَوَائِيَّةٌ مِنْ فِعْلِ الْكَهْرَبَاءِ، وَيَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ الْتِقَاءُ الْكَهْرَبَاءَيْنِ وَذَلِكَ يُسَبِّبُ انْقِدَاحَ الْبَرْقِ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الصَّيِّبَ تَشْبِيهٌ لِلْقُرْآنِ وَأَنَّ الظُّلُمَاتِ وَالرَّعْدَ وَالْبَرْقَ تَشْبِيهٌ لِنَوَازِعِ الْوَعِيدِ
بِأَنَّهَا تَسُرُّ أَقْوَامًا وَهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِالْغَيْثِ وَتَسُوءُ الْمُسَافِرِينَ غَيْرَ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ، فَكَذَلِكَ الْآيَاتُ تَسُرُّ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يَجِدُونَ أَنْفُسَهُمْ نَاجِينَ مِنْ أَنْ تَحِقَّ عَلَيْهِمْ وَتَسُوءُ الْمُنَافِقِينَ إِذْ يَجِدُونَهَا مُنْطَبِقَةً عَلَى أَحْوَالِهِمْ

صفحة رقم 318

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية