ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

قوله تعالى : الشّهْرُ الحَرَامُ بِالْشّهْرِ الحَرَامِ الآية [ ١٩٤ ]١ : روي عن الحسن أن مشركي العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام ؟. . قال : نعم، فأراد المشركون أن يغيّروه في الشهر الحرام فيقاتلوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية٢. . يعني إذا استحلوا منكم فاستحلوا منهم مثله. وروي عن ابن عباس والربيع بن أنس والضحاك، أن قريشاً لما ردت رسول الله عام الحديبية - محرماً في ذي القعدة - عن البلد الحرام فأعاده الله إليه في مثل ذلك الوقت فقضى عمرته، وأقصه لما حيل بينه وبينه في يوم الحديبية٣، فيكون على هذا التقدير إخباراً بما أقصه الله تعالى من الشهر الحرام، الذي صده المشركون فيه عن البيت بشهر مثله في العام القابل، ويتضمن مع ذلك أمراً بالقتال. فإن قيل : إنه إذا حمل اللفظ على حقيقة الجزاء انتفى كونه أمراً، فيقال : يجوز أن يكون الإخبار حاصلاً في تعويض الله تعالى نبيه من فوات العمرة في الشهر الحرام الذي صده فيه المشركون عن البيت بشهر مثله في العام القابل، وكانت حرمة الشهر الذي أبدل كحرمة الشهر الذي فات، فلذلك قال : والحُرُمَاتُ٤ قِصَاصٌ ثم عقب ذلك بقوله : فَمَنْ اعْتَدىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [ ١٩٤ ]، فأبان أنهم إذا قاتلوهم في الشهر الحرام فعليهم أن يقاتلوهم فيه، وإن لم يجز الابتداء. .
ويحتمل أن يكون الابتداء جزاء على ما كان من سابق فعلهم في مثل ذلك الوقت، ولا يكون قوله فمن اعتدى لاستثناء وحكم، بل يكون معناه : فمن اعتدى في الماضي بهتك حرماتكم في الشهر الحرام في البلد الحرام فاعتدوا عليه الآن بمثل ما اعتدى عليكم في الماضي، فيكون ذلك إباحة للقتال مطلقاً في كل موضع وفي كل وقت، ويحتج بذلك في مراعاة المماثلة في القصاص على ما يقوله الشافعي رحمه الله. .

١ - قال الزجاج: "أعلم الله المسلمين أنه ليس لهم أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص" ا هـ..
٢ - انظر تفسير القرطبي ج٢ ص٣٥٤، زاد المسير لابن الجوزي ج١ ص٢٠١. يغتروه: يأتوه على حين غرة..
٣ - انظر تفسير الطبري ج٢ ص١٩٦، والقرطبي ج٢ ص٣٥٤، ومعنى وأقصه: مكنه من القصاص..
٤ - الحرمات جمع حرمة، وهي: ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك. والقصاص: المساواة بأن يعامل غيره بمثل ما يعامله به في هذا المجال..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

إلكيا الهراسي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير