وحده، ولا يُعبد دونه شيء (١).
فَإِنِ انْتَهَوْا أي: عن الكفر (٢) فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ أي: الكافرين الواضعين العبادة في غير موضعها (٣)، والذي عليهم إنما سماه عدوانًا على معنى الجزاء والقصاص؛ لأن ما يكون منهم عُدوان فسمي الذي عليهم عدوانًا، كقوله: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠] وذلك أنه في صورة العدوان من حيث إنه قَتلٌ ونهبٌ واسترقاقٌ (٤).
١٩٤ - قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ قال المفسرون: إن النبي - ﷺ - صُدّ عام الحديبية سنة ستٍ، ثم عاد في سنة سبع، ودخل مكة وقضى العُمرة في ذي القَعدة، فأنزل الله هذه الآية، يريد: ذو القعدة، الذي دخلتم فيه مكةَ، واعتمرتم بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ: ذي القعدة، الذي صددتم فيه عن البيت، يعني: أن هذا جزاء ذاك وبدله. وتأويله: العمرة في الشهر
(١) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١٩٥، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤١٢.
(٢) في "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤١٣: فإن انتهوا عن القتال والكفر.
(٣) "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤١٣، "تفسير البغوي" ١/ ٢١٤، أو من بدأ بقتال على التأويل الثاني. ينظر: "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٥٤.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١٩٥، ١٩٦، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٦٥، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤١٣، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٣٢.
الحرام من سنة سبع بدلٌ من الصدّ في الشهر الحرام سنة ستٍ (١).
والحرمات: جمع حُرْمَة، والحُرْمَة: ما مُنِع من انتهاكه (٢).
والقصاص: المساواة والمماثلة، ذكرنا ذلك. وأراد بالحرمات: الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحُرمة الإحرام (٣).
ومعنى قوله: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ أي: اقتصصت لكم منهم، حيث أضاعوا وانتهكوا هذه الحرمات في سنة ستٍ، فقضيتم على زعمهم ما فاتكم في سنة سبع (٤).
قال مجاهدٌ: فَخَرت قريش أن صدت رسول الله - ﷺ - عن البيت الحرام في الشهر الحرام، في البلد الحرام، فأقصه الله، فدخل عليهم من القابل، في الشهر الحرام، في البلد الحرام، في البيت الحرام، وأنزل الله هذه الآية (٥)، هذا قول أكثر المفسرين (٦).
(٢) "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤١٦، وينظر: "المفردات" ص ١٢٢.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٥٧٩ و"تفسير الثعلبي" ٢/ ٤١٦ و"البغوي" ١/ ٢١٥.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" ٢ - ١٩٨، "الثعلبي" ٢/ ٤١٦، ويفيد كلام الواحدي هنا أن هذه العمرة قضاء للعمرة التي حصروا عنها عام الحديبية، والقول الآخر: أنها من المقاضاة؛ لقول ابن عمر: لم تكن هذه قضاء ولكن كان شرطًا على المسلمين أن يعتمروا في الشهر الذي حاصرهم فيه المشركون. ينظر: "زاد المعاد" ٣/ ٣٧٨.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ١٩٧.
(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤١٦.
والصحيح في تفسير هذه الآية: ما قاله ابن عباس في رواية عطاء:
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ يريد: إن قاتلوكم في الشهر الحرام، فقاتلوهم في مثله (١)، واختار الزجاج هذا القول، فقال: معناه: قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام (٢).
وقوله تعالى: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ قال ابن عباس: يريد: إن انتهكوا لكم حرمةً فانتهكوا منهم مثل ذلك.
وقال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن أمر هذه الحرمات قصاص (٣)، أي: لا يكون للمسلمين أن ينتهكوها على سبيل الابتداء، ولكن على سبيل القصاص. وهذا القول أولى القولين بالصواب، وأشبهها بالآية وبما (٤) قبلها، وهو قوله: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ [البقرة: ١٩١] والذي يدل عليه من سياق الآية.
قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ أي: ظلم، فقاتل، فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ. وسمى الثاني اعتداءً لأنه مجازاة اعتداء فَسُمِّي بمثل اسمه؛ لأن صورةَ الفِعْلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية،
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٦٤.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٦٤.
(٤) في (أ)، (م): (بما) بلا واو.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي