الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ١٩٤ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ١٩٥ .
لما خرج المؤمنون مع النبي صلى الله عليه وسلم للنسك عام الحديبية صدهم المشركون وقاتلوهم رميا بالسهام والحجارة، وكان ذلك في ذي القعدة من الأشهر الحرام سنة ست، ولو قابلهم المسلمون عامئذ بالمثل ولم يرض النبي بالصلح لاحتدم القتال، ولما خرجوا في العام الآخر لعمرة القضاء، وكرهوا قتال المشركين وإن اعتدوا ونكثوا العهد في الشهر الحرام، بين لهم أن المحظور في الأشهر الحرم إنما هو الاعتداء بالقتال دون المدافعة، وأن ما عليه المشركون من الإصرار على الفتنة وإيذاء المؤمنين لأنهم مؤمنون هو أشد قبحا من القتل لإزالة الضرر العام وهو منعهم الحق وتأييدهم الشرك.
ثم بين قاعدة عظيمة معقولة وهي أن الحرمات أي ما يجب احترامه والمحافظة عليه يجب أن يجري فيه القصاص والمساواة فقال الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ذكر هذه القاعدة حجة لوجوب مقاصد المشركين على انتهاك الشهر الحرام بمقابلتهم بالمثل، ليكون شهر بشهر جزاء وفاقا. وفي الجملة : والحرمات قصاص. من الإيجاز ما ترى حسنه وإبداعه. ثم صرح بالأمر بالاعتداء على المعتدي مع مراعاة المماثلة وإن كان يفهم مما قبله لمكان كراهيتهم للقتال في الحرم والشهر الحرام فقال تعريفا على القاعدة وتأييدا للحكم فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وإنما يحقق هذا فيما تتأتى فيه المماثلة. وسمى الجزاء اعتداء للمشاركة، وقد استدل الإمام الشافعي بالآية على وجوب قتل القاتل بمثل ما قتل به بأن يذبح إذا ذبح، ويخنق إذا خنق، ويغرق إذا أغرق، وهكذا. وقال مثل ذلك في الغصب والإتلاف. والقصد أن يكون الجزاء على قدر الاعتداء بلا حيف ولا ظلم، وأزيد على هذا ما هو أولى بالمقام وهو المماثلة في قتال الأعداء كقتال المجرمين بلا ضعف ولا تقصير، فالمقاتل بالمدافع والقذائف النارية والغازية السامة يجب أن يقاتل بها، وإلا فاتت الحكمة لشرعية القتال وهي منع الظلم والعدوان، والفتنة والاضطهاد، وتقرير الحرية والأمان، والعدل والإحسان. وهذه الشروط والآداب لا توجد إلا في الإسلام، ولذلك قال تعالى بعد شرح القصاص والمماثلة واتقوا الله فلا تعتدوا على أحد ولا تبتغوا ولا تظلموا في القصاص بأن تزيدوا في الإيذاء. وأكد الأمر بالتقوى بما بين من مزيتها وفائدتها فقال واعلموا أن الله مع المتقين بالمعونة والتأييد، فإن المتقي هو صاحب الحق وبقاؤه هو الأصلح، والعاقبة له في كل ما ينازعه به الباطل، لأن من أصول التقوى اتقاء جميع أسباب الفشل والخذلان.
كان المشركون يبدؤون المسلمين بالقتال لأجل إرجاعهم عن دينهم ولو لم يبدؤوا في كل واقعة لكان اعتداؤهم بإخراج الرسول من بلده وفتنة المؤمنين وإيذاؤهم ومنع الدعوة ـ كل ذلك كافيا في اعتبارهم معتدين. فقتال النبي صلى الله عليه وسلم كله كان مدافعة عن الحق وأهله وحماية لدعوة الحق ولذلك كان تقديم الدعوة شرطا لجواز القتال. وإنما تكون الدعوة بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، فإذا منعنا من الدعوة بالقوة بأن هدد الداعي أو قتل فعلينا أن نقاتل لحماية الدعاة ونشر الدعوة لا للإكراه على الدين فالله تعالى يقول : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ( البقرة : ٩٩ ) وإذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي الدعاة أو يقتلهم أو يهدد الأمن ويتعدى على المؤمنين فالله تعالى لا يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإزهاق الروح ولا لأجل الطمع في الكسب.
ولقد كانت حروب الصحابة في الصدر الأول لأجل حماية الدعوة، ومنع المسلمين من تغلب الظالمين لا لأجل العدوان. فالروم كانوا يعتدون على حدود البلاد العربية التي دخلت حوزة الإسلام ويؤذونهم وأولياؤهم من العرب المنتصرة من يظفرون به من المسلمين. وكان الفرس أشد إيذاء للمؤمنين منهم فقد مزقوا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورفضوا دعواته وهددوا رسوله وكذلك كانوا يفعلون. وما كان بعد ذلك من الفتوحات الإسلامية اقتضته طبيعة الملك ولم يكن كله موافقا لأحكام الدين، فإن من طبيعة الكون أن يبسط القوي يده على جاره الضعيف، ولم تعرف أمة قوية أرحم فتوحاتها بالضعفاء من الأمة العربية شهد لها علماء الإفرنج بذلك(٢).
وجملة القول في القتال إنه شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها، فعلى من يدعي من الملوك والأمراء أنه يحارب للدين أن يحيي الدعوة الإسلامية، ويعد لها عدتها من العلم والحجة بحسب حال العصر وعلومه، ويقرن ذلك بالاستعداد التام لحمايتها من العدوان، ومن عرف حال الدعاة إلى الدين عند الأمم الحية وطرق الاستعداد لحمايتها يعرف ما يجب في ذلك وما ينبغي له في هذا العصر.
وبما قررناه بطل ما يهذي به أعداء الإسلام ـ حتى من المنتمين إليه ـ من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول الجاهلين المتعصبين أنه ليس دينا لأن الإله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء، وأن العقائد الإسلامية خطر على المدينة ـ فكل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة للعالمين.
تفسير المنار
رشيد رضا