ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

١٩٤- وقوله تعالى :( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) |البقرة : ١٩٤|.
اختلف في سببها(١)، فقال ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وقتادة ومقسم، والربيع، والضحاك، وغيرهم، نزلت في عمرة القضاء عام الحديبية، وذلك : أن رسول الله صل الله عليه وسلم خرج معتمرا حتى بلغ الحديبية سنة ست، فصده الكفار عن البيت، ووعده الله تعالى أنه سيدخله عليهم، فأدخله سنة سبع، فنزلت الآية في ذلك. أي الشهر الحرام الذي غلبكم الله فيه، وأدخلكم الحرم عليهم فيه ( بالشهر الحرام ) الذي صدوكم فيه، ومعنى " الحرمات قصاص " على هذا التأويل أي حرمة البلد، وحرمة المحرمين، حيث صددتم بحرمة البلد، والشهر والمكان حين دخلتم(٢).
وقال الحسن بن أبي الحسن : نزلت الآية لأن الكفار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل يقاتل في الشهر الحرام فأخبرهم أنه لا يقاتل فيه فهموا بالهجوم عليه فيه، وقتل من معه حين طمعوا أنه لا يدافع فيه فنزلت ( الشهر الحرام ) الآية، أي هو عليكم في الامتناع من القتل والاستباحة بالشهر الحرام عليهم في الوجهين فأية وجهة سلكوا فاسلكوا ؛ والحرمات على هذا جمع حرمة عموما في النفس والمال والعرض، وغير ذلك، فأباح الله تعالى بالآية مدافعتهم، والقول الأول أكثر(٣).
١٩٤- وقوله تعالى :( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) الآية |البقرة : ١٩٤|.
أبان الله تعالى أنهم إذا عاهدوهم في الشهر الحرام، فعليهم أن يقاتلوهم فيه، وإن لم يجز الابتداء. ويحتمل أن يريد : فمن اعتدى عليكم فيما مضى فهتك حرمتكم في الشهر الحرام، والبلد الحرام فاعتدوا عليه الآن بمثلما اعتدى عليكم في الماضي، فيكون في ذلك باحة القتال مطلقا في كل موضع، وفي كل وقت(٤).
ويجوز الابتداء بالقتال جزاءا على ما كان من فعلهم في ذلك الوقت ثم نسخ ذلك بالقتال مطلقا.
وقالت طائفة : هذه الآية أطلقت لمسلمين إذا اعتدى عليكم أحد منهم أو من غيرهم أن يقتصوا منه فنسخ ذلك، ورد إلى السلطان فلا يجوز لأحد أن يقتص من أحد إلا بأمر السلطان، ولا يقطع يد سارق، ولا غير ذلك(٥). قال بعضهم : هذا إنما يكون على قول من أجاز نسخ القرآن بالسنة. وهذان القولان لمن قال : إن الآية منسوخة. وذهب جماعة إلى أنها محكمة واختلفوا في تأويلها أيضا، فذهب قوم إلى أنه جائز أن يتعدى عليه في مال أو جرح إن تعدى بمثلما تعدي عليه إذا خفي له ذلك وليس بينه وبين الله في ذلك شيء، وحمل الآية على هذا، واليه ذهب الشافعي وغيره، وهي رواية في مذهب مالك، والأشهر عنه أنه ليس له ذلك، وأن أمور القصاص والأموال على الحكام(٦).
وذهب مجاهد إلى أن الآية محكمة، وأن المعنى فمن اعتدى عليكم في الحرم فاعتدوا عليه وهذا أولى ما حملت عليه الآية.
ويحتج بهذه الآية على مراعاة المماثلة في القصاص(٧). ومن ذلك مسألة من قتل بغير الحديد هل يقتل بمثلما قتل به ؟ فاحتج من رأى ذلك بهذه الآية خلافا لأبي حنيفة في قوله إلا بالحديد(٨)، ولقوله –عليه الصلاة السلام- : " لا قود إلا بحديدة " (٩) واختلف الذاهبون إلى القول الأول في القود بالسهم(١٠) والنار، هل يجوز أم لا ؟ فالأشهر أنه يقتل بذلك. وقال ابن حبيب : لا يقتل به لأنه مثلة(١١).

١ في ن "سبب هذه الآية"..
٢ يراجع في هذا المحرر الوجيز لابن عطية (١/٥٣٦، ٥٣٧) ولهذه الروايات يراجع الطبري في تفسيره (٢/٢٥٩ -٢٦١) والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص ٢٨٠ -٢٨٣)..
٣ هذا من كلام ابن عطية في المحرر الوجيز (١/٥٣٨) ويراجع أيضا تفسير القرطبي (٢/٣٥٣، ٣٥٤)..
٤ قاله الهراسي في أحكام القرآن (٨٦، ٨٧)..
٥ نسب النحاس هذا إلى ابن عباس في الناسخ والمنسوخ (ص ٢٨) ثم وجدت الطبري يذكر عن ابن عباس نحوه في تفسيره (٢/٢٦٢) ويراجع العجاب لابن حجر (ص ٢٨٣)..
٦ انظر لمحرر الوجيز (١/٥٣٨)..
٧ أحكام القرآن للهراسي (١/٨٧)..
٨ يراجع أحكام القرآن لابن العربي (١/١١٢، ١١٣)..
٩ رواه ابن ماجه عن النعمان بن بشير وأبي بكرة في الديات (٢٦٦٧، ٢٦٦٨) وسندهما ضعيف ويراجع "إرواء الغليل" للألباني (٢٢٢٩)..
١٠ كذا في ب و ن وفي أ "السم"..
١١ يراجع أحكام القرآن لابن العربي (١/١١٢ -١١٥) وتفسير القرطبي (٢/٣٥٦ -٣٦٠)..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير