قوله تعالى : كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين الآية، قيل فيه : إنهم كانوا أمةً واحدةً على الكفر وإن كانوا مختلفين في مذاهبهم. وجائز أن يكون فيهم مسلمون إلا أنهم قليلون في نفسهم، وجائز إذا كان كذلك إطلاقُ اسم الأمّة على الجماعة لانصرافه إلى الأعمِّ الأكْثَرِ. وقال قتادة والضحاك :" كانوا أمةً واحدةً على الحق فاختلفوا ".
وقوله : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فإن عبدالله بن طاوس يروي عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أنّ كُلَّ أمَةٍ أوتُوا الكِتَابَ قَبْلَنا وأوتِيناهُ مِنْ بَعْدِهِم، فهذا يَوْمُهُمُ الّذي اخْتَلَفُوا فِيه، فَهَدَانا الله له، ولليهُودِ غَدٌ وللنّصَارَى بَعْدَ غَدٍ ". ورَوَى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام نحوه ؛ إلا أنه قال :" هدانا الله له، يَوْمُ الجُمُعَةِ لنا وغَدَاً لليَهُودِ وبَعْدَ غَدٍ للنّصَارَى ". ففي هذا الحديث أن المراد بقوله : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه هو يوم الجمعة ؛ وعمومُ اللفظ يقتضي سائر الحق الذي هُدِيَ له المؤمنون، ويكون يوم الجمعة أحدها ؛ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
أحكام القرآن
الجصاص