كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ٢١٣ .
( يقول المؤلف محمد رشيد رضا كتب تفسير هذه الآية الأستاذ الإمام باقتراح مني وأنا الذي وضعت الأرقام للسور والآيات في شواهد ما كتبه وهذا نصه ) :
تطلق الأمة في كتاب الله تعالى بمعنى الملة أي العقائد وأصول الشريعة كما في قوله تعالى في سورة الأنبياء : إن هذه أمتكم واحدة وأنا ربكم فاعبدوني ( الأنبياء : ٩٢-٩٣ ) بعدما ذكر من شأن جماعة الأنبياء صلوات الله عليهم، وكما قال في سورة المؤمنين : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعموا صالحا إني بما تعملون عليم* وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ( المؤمنين : ٥١-٥٢ ) رجح كثير من المفسرين أن المراد من الأمة في الآيتين الملة أي العقائد وأوصول الشرائع، أي أن جميع الأنبياء ورسل الله على ملة ودين واحد قال : إن الدين عند الله الإسلام ( آل عمران : ١٩ ) وقال كثير منهم إن الأمة في هذه الآية بمعنى الجماعة كما هي في قوله تعالى : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ( الإسراء : ١٨١ ) أي جماعة وكما في قوله : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ( آل عمران : ١٠٤ ) ولا تكون بمعنى الجماعة مطلقا وإنما هي بمعنى الجماعة الذين تربطهم رابطة اجتماع يعتبرون بها واحدا، وتسوغ أن يطلق عليهم اسم واحد كاسم الأمة، وتكون بمعنى السنين كما في قوله تعالى : وادكر بعد أمة ( يوسف : ٤٥ ) وبمعنى الإمام الذي يقتدى به كما في قوله : إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ( النحل : ١٢٠ ) وبمعنى إحدى الأمم المعروفة كما في قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس ( آل عمران : ١١٠ ) وهذا المعنى الأخير لا يخرج عن معنى الجماعة على ما ذكرنا وإنما خصصه العرف تخصيصا.
وقد حمل جمهور من المفسرين لفظ الأمة في هذه الآية على الملة ثم اختلفوا فيم كانت الملة فقال جمهورهم إنها ملة الهدي والدين القويم فيكون معنى الآية في رأيهم كان الناس أمة أي ملة واحدة قيمة الدين صحيحة العقائد جارية في أعمالها على أحكام الشرائع فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ولما وجدوا أن المعنى لا يكون قويما لأنه لا معنى لإرسال الرسل إلى الأمم الصالحة المهتدية ليحكموا بينهم فيما يختلفون فيه، إذا لا يتأتى الاختلاف الذي يحتاج في رفعه إلى رسالة الرسل مع استقامة العمل والوقوف عند حدود الشرائع، قالوا لا بد من تقدير في العبارة فيكون الكلام كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، والقرينة على هذه القضية المقدرة قوله فيما بعد ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وأنت ترى أن هذا بمنزلة أن تقول كان زيد عالما فبعث إليه من يعلمه ما كان نسيه من معلوماته، أو كان عاملا فأرسلت إليه من يعظه في العود على ما ترك من عمله، وتقول إن كلامي على تقدير كان عالما فنسي أو كان عاملا فترك العمل فبعثت إليه أو أرسلت إليه الخ. وهو مما لا يقبله ذوق عربي، فإذا كنت لا تراه لائقا بكلامك فكيف تجده لائقا بكلام الله أبلغ الكلام، وأولى قول يملك العقول والأفهام. ومما استدلوا به على صحة قولهم إن آدم عليه السلام كان نبيا وكان أولاده على ملته هادين مهتدين إلى أن وقع التحاسد بين ولديه وكان قتل أحدهما للآخر ما هو معروف، وإن الإنسان يولد على الفطرة السليمة الدين الحق، وإنما يعرض له ما ينحرف به عن الفطرة من تحكم الأهواء، وإغواء الشهوات، ورين الشبهات، ونحو ذلك، فلا ريب يكون للإنسان طور أول كان فيه خيرا عادلا واقفا عند الحق فيما يعتقد وما يعمل، ثم يعرض إليه ما يعرض من الميل إلى الشر والقبيح من الأعمال، ولكن هذه الأدلة لا تغير شيئا مما ذكرناه مختصا بتأليف الكلام، على أنه قد عرض على أولاد آدم من بعده أطوار كثيرة بلغ بهم الجهل في بعضها أن كانوا ملة واحدة في الكفر وفساد الأعمال، كما كانت الحال لعهد نوح وعهد إبراهيم من بعده، والآية لم تحدد زمن كان الناس أمة واحدة، وغاية ما في الأمر أن يكون النبيون المبعوثون مخصوصين بغير آدم أو نوح مثلا إذا حملت الأمة الواحدة على أمة الضلال، وملة الفساد والاعتلال.
ولذلك ذهبت طائفة أخرى وفي مقدمتهم ابن عباس وعطاء والحسن إلى أن الأمة الواحدة أمة الضلال، التي لا تهتدي بحق ولا تقف في أعمالها عند حد شريعة، واحتجوا على قولهم بهذا التعقب في الآية فإنه جعل بعثة الرسل تابعة لوحدة الأمة، ولا تكون كذلك حتى تكون الوحدة قاضية بالحاجة إلى إرسالهم ليحكموا بينهم في الاختلاف الذي يقع فيهم بسبب الفساد في العقائد، والذهاب مع الأهواء الضالة في الأعمال، واعتداء بعضهم على بعض لذلك، وانتهاكهم حرمة ما أمر الله برعاية حرمته، فيجب أن تكون وحدة الأمة واحدة في الباطل حتى يرد الحق عليه فيزهقه، وأما لو كانت الملة واحدة في الهدي واتباع الحق فلا معنى لجعل بعثة الرسل مرتبة عليها كما هو ظاهر. ودفعوا ما يقال : من أن آدم كان نبيا وكان من أولاده من بقي على شريعته فكيف يقال : إن الناس كانوا أمة واحدة على الباطل ( دفعوه ) بأن الحكم على الغالب فقد كان الناس لعهد نوح كفارا إلا القليل منهم، ومن المعروف أنه يقال دار كفر لمن كان أغلب سكانها كفارا وإن كان فيها مسلمون. وقد يجاب بما تقدم ذكره من تخصيص النبيين بما بعد آدم. ونوح من إبراهيم ومن بعده، ولكن المعنى كما تراه ليس ما تطمئن إليه النفس بعد النظر إلى آدم ورسالته، ومن بقي من أولاده على ملته.
وقال أبو مسلم والقاضي أبو بكر إن وحدة الأمة كانت فيما هو من مقتضى أصل الفطرة من الأخذ بما يرشد إليه العقل في الاعتقاد والعمل، فكان الناس يهتدون بعقولهم، والنظر المحض في الآيات الدالة على وجود الصانع ووجوب شكره، ثم كانوا يميزون الحسن من القبيح، والباطل من الصحيح، بالنظر في المنافع والمضار، أو الاتفاق مع ما يليق بالله على حسب ما يرشد إليه العقل أو ما لا يليق، ولا ريب أن استسلام الناس إلى عقولهم بدون هداية إلهية مما يدعو إلى الاختلاف، بل كثيرا ما حالت الأوهام، دون الوصول إلى المراد من العقائد والأحكام، فيكون الاختلاف مفهوما من معنى الوحدة على هذا التأويل وما سبقه ولهذا رتب عليها بعثة الأنبياء ليحكموا بما أنزل الله فيما اختلف فيه الناس. وقد أورد القاضي على نفسه مسألة آدم ورسالته وأجاب عنها بأنه الجائز أن يكون آدم وأولاده قد بدأ أمرهم على سنة الفطرة فكانوا من أهل النظر، ثم بعد أن كثر أولاده وظهر أن هداية العقل وحده لا تكفي في حفظ سلامة القلوب ولا صلاح الأعمال، أرسله الله إليهم بهداية إلهية من عنده، وأنه من المحتمل بل يكاد يكون من المحقق أنه طرأ على نسل آدم ما أنساهم شرعه فعادوا إلى استعمال عقولهم وحدها فعادت إليهم الوحدة فيما يؤدي إلى الاختلاف فبعث الله النبيين الخ.
وتوقف قوم في معنى الأمة وقالوا لا حاجة إلى البحث في أنها كانت أمة هداية أو أمة ضلال أو أمة عقل، وهو قول غاية في الغرابة لأنه ذهاب إلى ترك فهم الآية الكريمة ومعنى ترتيب بعثة الأنبياء على وحدة الأمة، اللهم إلا أن يكون القائل قد أراد ما سيأتي لنا ذكره إن شاء الله تعالى.
وأغرب من هذا القول قول بعض المفسرين ونقل عن مجاهد أن الناس هم آدم وحده وأنه كان أمة يقتدى به، ولا ندري ماذا يقول أصحاب هذا القول في تفسير بقية الآية ؟ نعود بالله من الخذلان.
ويزعم آخرون أن المراد من الآية أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى عليه السلام ثم اختلفوا بغيا بينهم فأرسلت إليهم بكتب تهذبهم كما أرسل داود بزبوره وعيسى بإنجيله ليردوهم إلى الحق فيما اختلفوا فيه، وهو تخصيص للناس وللنبيين بما لا دليل عليه البتة كما لا يخفى.
قال ابن العادل نقلا عن القرطبي : ولفظة كان على هذه الأقوال على بابها من المضي ويحتمل أن تكون للثبوت، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق لولا أن الله من عليهم بالرسل تفضلا منه فلا تختص بالمضي فقط بل يكون معناها كقوله : وكان الله غفورا رحيما ( النساء : ٩٦ ) اه.
وقد قارب الصواب في هذا الاحتمال الثاني وهو الذي كان يذهب الذهن إليه لأول الأمر لولا ما يشغل به من النظر في تلك الضروب من التأويل، فتفرق به السبل ويكاد يضل السبيل، ونحن ذاكرون لك إن شاء الله ما يجلي المعنى في الآية مقتفين أثر ابن العادل والقرطبي فيما قالاه في معنى كان وأنها للثبوت لا للمضي، غير أنا نقدم لك ما جاء في كتاب الله من وصف الأمة بالواحدة، والمعنى من ذلك الوصف في مواضعه المختلفة، ليكون في ذلك توضيح لما نقصد، وسند لنا فيما إليه نعمد، والله الموفق.
ورد وصف الأمة بالوحدة في قوله تعالى في سورة الأنبياء : إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدوني وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون ( الأنبياء : ٩٢-٩٣ ) جاءت هذه الآية الكريمة [ إن هذه أمتكم ] الخ بعد ذكر جمع من الأنبياء صلوات الله عليهم وذكر ما كان من شأنهم مع قومهم والخطاب فيها للأنبياء كما يفسره قوله تعالى في سورة المؤمنين بعدما ذكر من أحوال الأنبياء والمرسلين وما كان من أقوامهم معهم يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم* وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون* فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون ( المؤمنين : ٥١-٥٣ ) وقد جاء لفظ [ الأمة ] بالنصب في الآيتين على الحال والخبر قد تم في قوله : وإن هذه أمتكم أي هذا الجمع من الأنبياء والمرسلين أمتكم أي جماعتكم حال أنها أمة واحدة، أي ليس جمعا تربطه الروابط البعيدة كما يقال أمة الهند على اختلاف مللها وتفرق كلمتها، بل هي أمة تربطها رابطة قريبة هي رابطة الاهتداء بنور الله والدعوة إلى توحيده، والقيام على شرعه وحمل الناس على اتباع أحكامه، فهي مجتمعة على أمر واحد لا تعدد فيه هو الحق والعدل، فهي جديرة بأن تكون أمة واحدة.
وإن شئت قلت كما قالوا إن الأمة بمعنى الملة في الآيتين، يراد بذلك أن الله يخبر المرسلين بأن هذا الذي سبق في الكلام من السير في الناس بهداية الله والمثابرة على ذلك وعدم المبالاة بما يكون منهم من تكذيب أو تثريب أو تعذيب، هذه هي ملتكم ودينكم وهو أمر واحد لا تعدد فيه، يأتي به السابق، ويتبعه عليه اللاحق، لا يختلف فيه نبي، عن نبي ولا يناكر فيه مرسل مرسلا.
هذا المعنى من الوحدة هو الذي جاء في قوله تعالى في سورة هود : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ( هود : ١١٨ ) وفي قوله في سورة الشورى : ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ( الشورى : ٨ ) أي لو شاء ربك لخلق الناس على غريزة تميل إلى الحق، وفطرة يسطع فيها نور الهداية، إليه بدون حجاب من الهوى والشهوة أو ظلمة الفكر وستر ا
تفسير المنار
رشيد رضا