(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)
* * *
ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن الناس فريقان: فريق يسعى في الأرض فسادا، ويضل التاس بخلابة لسانه، وفريق باع نفسه للحق يفتديه، ولربه يبتغي رضاه، ولا يرجو سواه، وإن النضال بين الفريقين قائم، على مقتضى سنة هذا الوجود، من التنازع بين الخير والشر، وبين أهل الحق والضلال، وإنه من أجل ذلك سوغ الله سبحانه وتعالى لأهل الخير أن يحملوا السيف مناضلين مدافعين، وإن كان أصل الفضيلة في الأمن والسلام، ولكن إن كانت الحرب سبيل السلام الفاضل فهي مطلوبة لأجل السلم، وإن كانت شجرة السلام التي تظل أهل الحق لا تقوم إلا إذا سقيت بالدماء، وجب القتال، لأن ما لَا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب، والسلام واجب على بني الإنسان.
وفى هذه الآية يشير سبحانه إلى أن الاختلاف بين الناس ما بين عن فاضل، ومبطل شرير، مستكن في أصل الوجود قائم على أصل من الفطرة التي ألهمت فيها
النفوس فجورها وتقواها، وهداها الله النجدين؛ وأن الله العليم الحكيم بعث الرسل مبشرين بحسن العقبى لأهل الخير وسوء العقبى للأشرار؛ ليكون من ضل إنما يضل عن بيّنة، ومن اهتدى فعن بينة؛ ولتتحقق التبعة على الأفعال بالعقاب والثواب؛ وليكون الجزاء العادل على العمل إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ وليخفف بعث النبيين الخلاف وإن كان لَا يمحوه؛ فإن المماراة واللدد في الخصومة التي اختص بها أهل الشر يمنعانهم من أن يسلموا بالحق رغبا، وإن كانوا أحيانًا يسلمون به رهبًا، وبعضهم يطمس الله على بصيرته فلا يجديه ترغيب، ولا يؤثر فيه ترهيب؛ بل هو ضال مضل إلى يوم الدين.
ولهذا قال سبحانه وتعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) الأمة مأخوذة من أمَّ بمعنى قصد؛ والجماعة من الناس التي تربطها رابطة، وتجمعها جامعة تسمى أمة؛ لأن كل واحد منها يؤم المجموع ويقصده، ويعتمد عليه في مدلهم الأمور. ولقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني في معنى الأمة ما نصه: " والأمة كل جماعة يجمعهم أمر؛ إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء أكان الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا، وجمعها أمم، وقوله تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم...).
أي كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسُّرْفة (١)، ومدخرة كالنمل، ومعتمدة على قوت وقتها كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع؛ وقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أمَّةً وَاحِدَةً) أي صنفا واحدًا وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر، وقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أمَّةً وَاحِدَةً...)، أي في الإيمان؛ وقوله: (وَلْتَكُن مِّنكمْ أمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ...)، أي جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم؛ وقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ...)، أي على دين مجتمع.. إلخ ".
________
(١) السُّرْفة بضم السين وسكون الراء: دويبة تتخذ بيتا من دقاق العيدان فتدخله وتموت، ومنه المثل: أصنع من سُرْفة - قاموس.
ومن هذا التحقيق، وتتبع الآيات الكريمات، تبين أن معنى " أمة " الطائفة التي يجمعها أمر، ويربط بينها وصف جامع؛ فقوله تعالى: (كَان النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي كان الناس على اختلاف أجناسهم وأقاليمهم وألوانهم أمة واحدة، أي تجمعها رابطة واحدة، ووصف مشترك يوحد بينهم جميعا، مهما تختلف المنازع وهنا يتطلع العقل لمعرفة ذلك الأمر الذي اشترك الناس جميعا فيه، فكانوا بذلك الاشتراك أمة واحدة ثم إلى ما تدل عليه كلمة " كان " أهو الدلالة على الماضي من غير استمرار، بمعنى أن ذلك الوصف الجامع كان في الماضي وانتهى وانقطع، أي أن الناس في الماضي كانوا أمة واحدة، وفي الحاضر والاستقبال زال ذلك الوصف عنهم، أو على الأقل في حكم المسكوت عنه، والحكم على الماضي يشمل الحال والاستقبال؛ أم أن مدلول كان هو الوجود والاستقرار، فتدل على الوقوع في الماضي يشمل الحال والاستقبال، فتدل على وقوع في الماضي والاستمرار في الحاضر، والبقاء إلى المستقبل ككان في قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ غَفورًا رَّحِيمًا).
هذان هما الأمران اللذان يعدان مجال القول، عند تفهم مدلول تلك الجملة السامية: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) فلنقصد لذكر أقوال العلماء فيهما، وهي في نظرنا ترجع إلى ثلاثة أقوال:
أولها - أن الوصف الجامع الذي كان يجتمع الناس جميعا عليه هو أنهم كانوا مهديين، وعلى الفطرة المستقيمة التي فطر الله الناس عليها؛ وقد اختلف العلماء في نوع هذه الهداية وأسبابها؛ والذي نختاره ما أشرنا إليه من أنها هداية الفطرة؛ " وكان " تكون للماضي ولا يستمر الحكم بها في الحاضر، ولا يمتد إلى القابل.
ويكون على هذا التخريج لابد أن يقدر ما يدل على زوال وصف الهداية، حتى تكون الحاجة إلى بعث الله النبيين، ولذلك قال العلماء: إن معنى الآية على هذا التخريج: كان الناس أمة واحدة مهديين فاختلفوا ما بين ضال ومهتد، فبعث الله النبيين بالكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
ويصح أن نقول: إن " كان " تدل على الاستمرار، ويكون المعنى أن الناس كانوا وما زالوا أمة واحدة مهديين بمقتضى الفطرة، ولكنهم يضلون أنفسهم، فبعث النبيون ليكونوا حجة على الناس، وليكون الجزاء من عقاب وثواب، وليتحمل كل امرئ عاقبة ما صنع بالتبليغ.
القول الثاني - أن الناس كانوا أمة واحدة من حيث إنهم كانوا ضالين، فبعث الله الأنبياء لهدايتهم، ولإنقاذهم - من حيرتهم، وليكونوا حجة عليهم، ولتترتب تبعات الأعمال، من عقاب وثواب، وذلك بالإنذار والتبشير.
" وكان " على هذا التخريج تكون للماضي واضحة المعنى، بينة، ولا حاجة إلى تقدير كلَام محذوف.
القول الثالث - وهو قول القرطبي، إذ يقول في أحكام القرآن: المراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا مَنُّ الله عليهم، وتفضله بإرسال الرسل إليهم، فلا تختص " كان " على هذا التأويل بالمضي فقط. بل معناه معنى قوله تعالى (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورَا رَّحِيمًا).
وإن هذا هو الذي نختاره (١) وعلى هذا التأويل لَا يكون ثمة حاجة إلى تقدير محذوف؛ لأن ذات حالهم من كونهم لَا علم لهم بالشرائع، ولا تهتدي عقولهم إلى الحقائق بنفسها، توجب البعث، ولأن تلك الحال التي تكون على الفطرة وحدها توجب الاختلاف فتوجب بعث النبيين، وذلك لأن النفوس إن تركت لمقتضى جبلتها من غير شرع مبين، ولا كتاب يحكم، تكون بين نفس غلبت عليها شقوتها، وبين نفس ضالة حائرة، تدفعها الغرائز إلى الشهوات دفعًا، فيكون التناحر والتنابذ، ولابد حينئذٍ من حاكم يقضي، ويقدع النفوس عن شهواتها.
________
(١) قال المصنف - رحمه الله -: وهو عين ما اختاره الأساذ الإمام الشيخ محمد عبده، وقد استفاض في توجيهه، وحرره بقلمه البليغ رضي الله عنه، فارجع إليه.
ثم إن نفس كل إنسان فيها نزوع " إلى الاجتماع، واستعانة بعضهم ببعض؛ وحيث كان الاجتماع لابد من نظام يربط، وشرع يحكم، وعقاب يردع؛ وإلا أكل القوي الضعيف، كما يأكل كبار السمك صغارها عند اجتماعها، وكما تفترس السبع الأوابد من يكون أضعف منها.
وعلى هذا تكون الفاء في قوله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) للترتيب والتعقيب في موضعها من غير حاجة إلى التقدير؛ لأن كون الناس أمة واحدة اقتضت الرسالة واقتضت الاختلاف، فكان لابد من شرائع السماء لتبخع الشهوات، ولتقضي على الخلاف، ولتهدي الناس وتنقذهم من الضلال. ولأن اتحاد الفطرة واتحاد الغرائز، واندفاعها إن لم يكن لها عاصم من شرع زاجر وعقاب مانع، يجعل الناس يتناحرون ويتنابذون فلابد من حكم صالح بين الناس، فكان ذلك الحكم من السماء.
" وكان " على هذا التأويل تكون دالة على الاستمرار والثبوت؛ لأن الناس بمقتضى فطرهم دائما في حاجة إلى شرع من السماء، لَا يهتدون إلا به، ولا ينير السبيل لهم شيء سواه؛ وإنه مهما تعلُ العقول فلن تقوى على التهذيب من تلقاء نفسها؛ بل لابد من دين قد اشتمل على الترغيب والترهيب من بارئ الكون ومنشئ الخلق، الذي خلق الإنسان وهداه النجدين: طريق الخير، وطريق الشر. واعتبِر بما ترى بالمدنية الحاضرة؛ فقد علت العقول عند أهلها، حتى استخرجوا كنوز الأرضن، وتعرفوا على كثير من نواميس الوجود، ولكنهم يأكل بعضهم بعضا لهجرهم الأديان، وعدم وجود داع ينادى بينهم باسم القرآن.
وقد يقول قائل: إن جعل " كان " للاستمرار، يفيد أن وحدة الناس في الفطرة وتأديها إلى التناحر يقتضي بعث النبيين إلى يوم القيامة، وإنه لابد من نبي لعصرنا؛ ونحن نسلم بالاعتراض، ولا ندفع إيراده، ونقول: نعم إنه لابد من قيام رسالة إلى يوم القيامة، وتلك الرسالة قائمة إلى يوم القيامة؛ وهي رسالة محمد - ﷺ - التي جاءت بكتاب تتجدد به الرسالة والبعث إلى أن تفنى الأرض ومن عليها، وذلك
بالقرآن الكريم لَا تبلى جدته، وبقائه محفوظا إلى يوم القيامة من غير تحريف ولا تغيير ولا تبديل؛ وكون الذي يقرؤه كأنما يتلقاه عن النبي - ﷺ -، فيتلقى التكليف؛ وهو في ذاته حجة قوية معجزة، ولا يختص إعجازها بجيل من الأجيال، ولا عصر من العصور؛ إذ هو بما اشتمل عليه من علم وشريعة، وقصص مستقيم، معجز إلى يوم الدين؛ وإذا كان الناس في جهالة به، ولم يتلقوا رسالته، فهذا من تقصير الذين توارثوه وانتقل إليهم متواترًا جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة؛ فبعثة النبي - ﷺ - مبشرًا منذرًا إذن متجددة فيه؛ وحق على حملته، ومن توارثوا علمه أن يعلنوه بين الناس، ليصدق عليهم قول الرسول - ﷺ -: " العلماء ورثة الأنبياء " (١) وإلا فهم عن ذلك في واد يهيمون.
(وَأَنزَلَ مَعَهُم الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) بعث الله سبحانه وتعالى النبيين مبشرين ومنذرين، أي مبشرين بحسن العقبى في الدنيا والآخرة إن أطاعوا ربهم، ومنذرين بسوء العقبى في الدنيا والآخرة إن عصوا ربهم، ووقعوا في الشر، ولم يستقيموا على الطريقة.
ولقد أنزل الله سبحانه كتابًا مشتملا على الحق مع كل نبي يرشد به ويبين ويهدي ويقوم ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، بالحق الذي اشتمل عليه، إذ إن الاختلاف من طبيعة التكوين الإنساني، ومشتق من كونهم أمة واحدة في الجهل بحقائق الوجود إلا من رحم الله، وإن الغرائز إن لم يكن لها عاصم من الإرادة القوية والهداية الإلهية تندفع إلى الشهوات فتتناحر القوى ويأكل القوي الضعيف ولقد ذكر الكتاب بصيغة المفرد، مع أن كل نبي مبعوث له كتاب، وجاء محمد بكتاب جامع مصدق لما بين يديه وما خلفه يهدي للتي هي أقوم؛ عبر بصيغة الواحد للإشارة إلى أن كتب النبيين وإن تعددت هي في لبها كتاب واحد؛ لاشتمالها على شرع واحد في أصله، كما قال تعالى: (شرَعَ لَكم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي
________
(١) جزء من حديث رواه الترمذي في العلم (٢٦٠٦)، وأبو داود: العلم (٣١٥٧)، وابن ماجه في المقدمة (٢١٩)، والدارمي في المقدمة (٣٤٦)، وأحمد في مند الأنصار رضي الله عنهم (٠٧٢٣ ٢) كلهم عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وذكره البخاري تعليقا في ترجمة بابأ العلم قبل القول والعمل ".
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣).
وكلمة (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) قرئت بضم الياء للبناء للمجهول؛ وقال القرطبي إنها قراءة شاذة؛ والمعنى عليها أن الكتاب مشتمل على ما يحكم به بين الناس فيما يختلفون فيه مما يتعلق بالدنيا والآخرة، فهو المرجع الذي يدركون به الحق في ذاته إذا اختلفوا في العقائد أو الشرائع، أو اليوم الآخر؛ وهو الحكم العدل إذا اختلفوا في شئون دنياهم، ومآرب الحياة، والمعنى على القراءة المشهورة " ليحكم " بفتح الياء للبناء المعلوم: أن القرآن هو الذي يحكم بين الناس، فهو الفيصل في الخلاف، وهو المصدر العلمي في كل شيء يتعلق بالدين، وفيه الحكم العادل إلى يوم القيامة، وإسناد الحكم إلى الكتاب للإشارة إلى وجوب الرجوع إليه عند كل اختلاف، وللإشارة إلى ألا نحكم أهواءنا في فهم الكتاب وتأويله تأويلا بعيدًا ليتفق مع رغباتنا، أو ما يسميه البعض مصالحنا، ولا مصلحة في غير ما جاء به النص المبين، ولقد قال في هذا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ما نصه:
الحكم مسند إلى الكتاب نفسه؛ فالكتاب ذاته هو الذي يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، وفيه نداء للحاكمين بالكتاب أن يلزموا حكمه ولا يعدلوا عنه إلى ما تسوله الأنفس وتزينه الأهواء؛ فإن الكتاب نفسه هو الحاكم وليس الحاكم في الحقيقة سواه؛ ولو ساغ للناس أن يؤولوا نصا من نصوص الكتب على حسب ما تنزع إليه عقولهم، بدون رجوع إلى بقية النصوص، وبناء التأويل على ما يؤخذ من جميعها جملة - لما كان لإنزال الكتب فائدة ولما كانت الكتب في الحقيقة حاكمة، بل تتحكم فيها الأهواء، وتذهب النفوس منازع شتى، فينضم إلى الاختلاف في المنابع اختلاف آخر جديد، وهو الاختلاف في ضروب التأويل، وبناء كل واحد حكما على ما نزع إليه، فتعود المصلحة مفسدة، وينقلب الدواء علة! ولهذا رد الله تعالى الحكم إلى الكتاب نفسه لَا إلى هوى الحاكم به.. ونسبة الحكم إلى الكتاب كنسبة النطق
والهدى التبشير إليه في قوله تعالى: (هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكم بِالْحَقِّ...)، وقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ويُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِين...).
ويقول رضي الله عنه في إفساد الناس لمعاني الكتب المقدسة بسبب تحكيم المنافع الدنيوية والشهوات فيها: " يتخذ الواحد منهم كلمة من الكلمات أو أثرا ممن جاء به، وسيلة إلى تسخير غيره لما يريد، وذلك بقطع الكلمة أو الأثر عن بقية ما جاء في الكتاب والآثار الأخرى، وليّ اللسان أو تأويله بغير ما قصد منه، وما همُّ المؤول أن يعمل بالكتاب، وإنما كل ما يقصد هو أن يصل إلى مطلب لشهوته، أو عضد لسطوته، سواء أهدمت أحكام الله أم قامت، واعوجت السبيل أم استقامت؛ ثم يأتي ضال آخر يريد أن ينال من هذا ما نال غيره فيحرف ويؤول، حتى يجد المخدوعين بقوله، ويتخذهم عونًا على الخادع الأول، فيقع الاختلاف، والاضطراب؛ وآلة المختلفين في ذلك هو الكتاب " (١).
(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) من شأن الكتاب أن يزيل الخلاف ويحسم النزاع إن احتكموا إليه واهتدوا بهديه، وهو لَا يحمل الناس على الهداية حملا بل ينير الطريق ويهدي إلى التي هي أقوم، فهو كالضوء لَا يخلق البصر، ولكن ينير للمبصر؛ وهو كالدليل في الصحراء يبين السلك ولا يحمل على السير؛ ولذلك لم يزل الخلاف بين الناس بنزول الكتاب، بل يوجد خلاف آخر حوله؛ لأن الأهواء إذا استحكمت، لَا تسترشد بمرشد، ولا تتبع هاديا؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوه).
________
(١) قال الشيخ الإمام رحمه الله: نقلنا ذلك الكلام مع طوله ليعلم الناس رأي الإمام في طريق التأويل الصحيح، وليدركوا بطلان أقوال الذين يتعلقون بالإمام ليخضعوا الشريعة لحكم الزمان، فيعاقبون على الطلاق بالحبس والغرامة بدعوى عدم صلاحية ذلك للزمان، ويبيحون الربا بدعوى أن ذلك مصلحة الأيام، ويبيحون القمار بدعوى أنه كالبيع، أو هو تبرع، وهكذا وهكذا، ويحسبون أنهم يقلدون الإمام، والإمام من منهجهم بريء إلى يوم الدين، وتلك عباراته بقلمه، فقد كتب تفسير هذه الآية بقلمه (ج ٢ ص ٢٨٦، ٢٨٩).
الضمير في " فيه " وفي " أوتوه " إما " أن نجعله يعود إلى الحق، وإما أن نجعله يعود إلى الكتاب، وكلاهما مذكور، وله وجه؛ فإن كان الضمير يعود إلى الحق، فالمعنى على ذلك: إن الذين يختلفون في شأن الحق، اختلافهم ظلم، هم مأخوذون به معاقبون عليه، فليس الاختلاف مبنيا على جهالة كالاختلاف قبل نزول الكتاب، بل هو ترك للحق عن بينة؛ لأنهم أوتوا الحق أي أوتوا العلم به، فليسوا جاهلين كشأنهم الأول؛ ولأنهم علموا الحق ببينات جاءتهم؛ ولذا قال سبحانه: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي من بعد ما جاءتهم الحجج البينة المثبتة له التي يدركها كل إنسان إلا من ران الله على قلبه؛ ولأن البغي أي الظلم الشديد هو الذي يدفعهم إلى ذلك الاختلاف.
ولو جعلنا الضمير يعود على الكتاب، يكون المعنى أن الاختلاف يكون حول الكتاب الذي هو بيان الحق ونوره؛ وذلك لأن الذين في قلوبهم مرض، وعلى - أعينهم غشاوة، تبعث الرسل إليهم لهدايتهم بكتب فيها الحق والميزان فيجعلون تلك الكتب موضع الجدل والاختلاف ولكنه ليس كخلافهم قبل البعث؛ لأن الخلاف الأول عن جهل ففيه العذر، أما الخلاف الثاني فلا عذر فيه؛ لأنه خلاف بعد أن أوتوا علم الكتاب، وما اشتمل عليه، وبعد أن جاءتهم البينات والدلائل على الصدق.
ولقد ذكر سبحانه الباعث على الخلاف بعد نزول الكتب المقدسة بالحق المبين المؤيد بالأدلة القاطعة، فقال سبحانه: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) والبغي معناه طلب الشيء متجاوزا حد الاقتصاد. وقال الراغب الأصفهاني:
البغي على ضربين: محمود وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع؛ والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل.
وأكثر ما يكون البغي في الثاني، وهو المراد هنا، أي أن الباعث على الخلاف في الكتاب بعد نزوله مؤيدا بالحجج الدامغة والأدلة القاطعة هو الشهوات المستحكمة التي تدفع النفوس إلى مجاوزة الحد في الطلب، وقال سبحانه: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي أن
البغي واقع فيهم، وإن لم يكونوا كلهم بغاة، فيكفي أن يكون بعضهم باغيا ليقع الخلاف حول الكتاب، بين طلاب الحق المهتدين، والذين أركسوا في الباطل فلا ينطقون إلا تحت سلطانه، ولا يعملون إلا تحت تأثيره.
والاختلاف في الكتاب يشمل الاختلاف في شأنه ما بين مصدقين بما جاء به ومكذبين، ومذعنين لأحكامه ومخالفين، ويشمل الاختلاف في أحكامه ما بين منفذين خاضعين، وعصاة لها قد ارتضوا حكم الجاهلية بدل حكم الله، ويشمل أيضا الاختلاف في تفسيره وتأويله ما بين راسخ في علم الكتاب، يطلبه من أوجهه، وبين زائغ القلب والبصيرة يتبع المتشابه، أو يثير حوله الشبه ولو كان واضحا بينا صريحًا.
وكل هذا يدفع إليه البغي والعدوان، ولا يعتمد على حجة من برهان، وهو حجة كما قررنا على المختلفين، لأنه بعد أن " أوتوه " أي أوتوا علم الكتاب مؤيدا بالبينات، ولكن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، واستحكمت شهواتهم، وسموها مصالح ومنافع، وأرادوا أن يخضعوا نصوص الكتاب لها، فضلوا ضلالا بعيدا.
(فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) أشار سبحانه في الجملة الكريمة السابقة إلى السبب في غواية الغاوين، وإثارة الخلاف، ، وهو البغي وتحكم الشهوات التي تدفع إليه، وفي هذه الجملة الكريمة يبين موقف المهتدين؛ ولذا قال سبحانه: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) والفاء هنا للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر، إذ المعنى: إذا كان هذا شأن الظالمين فقد هدى الله الذين آمنوا.. إلى آخره.
وعبر بالذين آمنوا للإشارة إلى سبب هدايتهم للحق، والإيمان والإذعان؛ فهم يؤمنون بالحق إذا جاءهم، ويذعنون له ويخضعون، وهم لاستقامة نفوسهم يتبعون النور الذي يكشف لهم الطريق ويسيرون فيه.
وأسندت الهداية إلى الله سبحانه وتعالى لأنه مقلب القلوب، وهو علام الغيوب، المسيطر على كل شيء. وللعبد إرادة أيضا، فمن كان له قصد إلى الخير، واتجاه إلى الفضيلة وسار في الطريق المستقيم، قذف الله في قلبه بنور مشرق، وسار
به مهديا في مضطرب الخلاف، ومعترك النزاع؛ فالمؤمن باتجاهه المستقيم وإذعانه لليقين، وهداية رب العالمين يصل إلى الحق في موضوع الخلاف، والصواب في متنازع الآراء، لأن الذي يفسد الرأي هو الهوى، وتسلط الشهوات، فهي إذا استحكمت أضلت ذا اللب، وطمست البصيرة إذ أصبح محكوما بالأهواء والشهوات، يسير في مسارها، وهو يحسب أنه يسير وراء العقل؛ وذلك هو الضلال المبين؛ فإذا خلص المؤمن من أدران الهوى ولم تتحكم فيه الشهوات فسيصل إلى الحق لَا محالة، لأن الذي يضل العقول رَيْنُ الشهوات.
و" مِن " في قوله تعالى: (لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ) هي البيانية، والمعنى: هدى الله الذين آمنوا للحق في موضع الخلاف، فلا يطيش عقله ولا يضل فهمه، بل يتجه إلى الحق الذي جرى الخلاف حوله من غير أن تتأثر نفسه بهوى أهل الأهواء الذين اختلفوا فيه، وكانوا بسبب الاختلاف في ريب يترددون؛ لأن الاختلاف بالنسبة للمؤمن يجلو الحق ويمحصه، وبالنسبة لمريض القلب يطمس الحق في نفسه فيتخذ منه تعللات يبرر بها ضلاله.
وقوله تعالى: (بِإِذْنِهِ) معناها بتيسيره وتوفيقه، وقال الزجاج معناها: بعلمه: وقال بعضهم: بأمره، ونحن نرى أن التيسير والتوفيق يتضمن هذا كله، لأن الله سبحانه وتعالى أعلم بالحق وأمر به، وهذا من تيسيره، ثم وفق سبحانه المؤمن للعمل به، لاستقامة فكره وقلبه، ولم يوفق غير المؤمن ذلك التوفيق لتحكم الأهواء والشهوات في قلبه، فلم يتجه اتجاها مستقيما لطلب الحق والعمل به.
(وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ) الصراط: هو الطريق المستقيم، فوصفه بالاستقامة تأكيد لمعنى الاستقامة، وقد ذيل الله سبحانه الآية الكريمة بهذه الجملة السامية الحكيمة؛ لبيان كمال سلطانه سبحانه، وأن الذين يعاندون حكم الكتاب هم في قبضة يده لو أراد أن يهديهم لفعل، فليس لأحد سلطان بجوار سلطان الله؛ وليس الشر قوة قائمة بذاتها، إنما الجميع تحت أمر الله الكوني وسلطانه؛ ولو أراد أن يكون الجميع مهديين لكانوا، ولكنه يختبر الإنسان في هذا
الوجود، فجعل الشر بجوار الخير، وجعل المعركة قائمة بينهما ليكون للمهتدى ثواب الهداية إذا قصد إليها، وعلى الضال إثم ضلاله؛ وإن الاعتراك بين الخير والشر يصقل أهل الحق، ويزكي نفوسهم. وفقنا الله إلى الحق. ومن الدعاء المأثور: اللهم أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله متلبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماما.
* * *
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)
* * *
بين الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة أن الناس جميعًا قد فطروا على فطرة واحدة، وأن من هذا الاتحاد كان الافتراق والاختلاف، ولقد ألهم الله كل نفس فجورها وتقواها؛ وخلق الناس مستعدين للخير وللشر، وللطاعة والعصيان؛ فكان منهم من غلبت عليه شقوته فاتجه نحو الشر، ومنهم من عمَّته رحمة الله فاهتدى إلى الخير؛ فكان من الناس الأخيار والأشرار؛ وكان هذا من مقتضى الاستعداد للأمرين بمقتضى الفطرة التي فطر الناس عليها وكانوا فيها على سواء.
ولا شك أن العاقبة للخير، لأن الله هو الذي أمر به، فإذا كان الناس فيهم الفجار والأبرار، وأن في نفس كل امرئ استعدادًا للفجور والتقوى، فالله سبحانه قد دعا إلى الخير، وحث عليه، وهو غالب على أمره، وهو لابد ناصر للخير، هازم للشر، والعاقبة للمتقين، ولكن النصر يكون على مقتضى تدبير محكم، وصبر على البلاء، وعدم استنامة إلى الرخاء.
فلا ينتصر الخير على الشر إلا بشدائد ومكاره تنزل بالأخيار ويتغلبون عليها بعد مغالبتها، ومغالبة الأشرار معها، ولذلك أردف الله سبحانه وتعالى الآية الدالة على اتفاق الناس واختلافهم، بالآيات الدالة على الشدائد النازلة بالأخيار وأتباع النبيين، فقال سبحانه:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة