كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( ٢١٣ ) .
تفسير المفردات :
جاء لفظ الأمة في كتاب الله لعدة معان :( ١ ) : الملة : أي العقائد وأصول الشرائع كما في قوله : إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ، ( ٢ ) الجماعة الذين تربطهم رابطة يعتبرون بها وحدة تسوغ أن يطلق عليها اسم الأمة كما في قوله : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ، ( ٣ ) الزمن كما في قوله : ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة وقوله : وادكر بعد أمة ، ( ٤ ) الإمام الذي يقتدى به كما في قوله : إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ، ( ٥ ) إحدى الأمم المعروفة كما في قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس .
المعنى الجملي :
بعد أن أمر سبحانه الذين آمنوا بنبيه أن يدخلوا في السلم كافة، وأن يكونوا في وفاق لا نزاع معه، إذ ينبغي لمن جاءته الهداية من ربه ألا ينحو في عمله إلى ما يدعو إلى خلاف أو يثير نزاعا، بل الواجب عليه أن يقف عند ما حده الكتاب الإلهي والهدي السماوي، ثم ذكر أن جاحد الحق إنما ينظر في عمله إلى ما يوفر عليه لذته في هذه الحياة الدنيا، فهو لا يسعى إلا إلى لذة عاجلة، ومن كانت هذه حاله كان في خلاف وشقاق.
ذكر هنا أن الاهتداء بهدى الأنبياء ضروري للبشر، إذ أن الله قضى أن يكون الناس أمة واحدة يرتبط بعضهم ببعض، ولا سبيل لعقولهم وحدها أن تصل إلى ما يلزمهم في توفير مصالحهم، ودفع المضار عنهم، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأيدهم بالدلائل القاطعة على صدقهم، وعلى أن ما يأتون به إنما هو من عند الله القادر على إثابتهم وعقوبتهم، العالم بما في ضمائرهم، الذي لا تخفى عليه خافية من أسرارهم.
الإيضاح :
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ أي خلق الله الناس أمة واحدة مرتبطا بعضها ببعض في المعاش، لا تعيش إلا مجتمعة يعاون بعضها بعضا، وكل واحد منهم يعيش بعمله، لكن قواه النفسية والبدنية قاصرة عن الوفاء بجميع ما يحتاج إليه، فلا بد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته، وهذا ما يعبر عنه بقولهم الإنسان مدني بالطبع .
ولما كانوا كذلك كان لا بد لهم من الاختلاف، إذ لا يمكنهم في هذه الوحدة أن يتفقوا على تحديد ذلك النظام، مع اختلاف الفطر وتفاوت العقول، وحرمانهم من الإلهام الذي يهدي كلا منهم إلى ما يجب عليه لصاحبه، فكان من لطف الله ورحمته أن يرسل إليهم الرسل مبشرين بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة، ومنذرين بخيبة الأمل وحبوط العمل وعذاب الله إذا اتبعوا شهواتهم، ولم ينظروا في العاقبة.
وقال أبو مسلم الأصفهاني والقاضي أبو بكر الباقلاني : إن المعنى : إن الناس كانوا أمة واحدة على سنة الفطرة، تأخذ بما يرشد إليه العقل في الاعتقاد والعمل، وتمييز الحسن من القبيح، والباطل من الصحيح بالنظر في المنافع والمضار، ولكن استسلام الناس إلى عقولهم بلا هدى إلهي مما يدعو إلى الاختلاف، فكثيرا ما حالت الأوهام بين الناس وبين الوصول إلى المراد من العقائد والأحكام.
فالعقل شاهد بأن العناية الإلهية سارت بالإنسان في جماعته كما سارت به في أفراده، فكما نشأ الفرد قاصرا في جميع قواه، نشأت الجماعة البشرية على ضرب من السذاجة لا تبلغ بها إلى تناول الشئون الرفيعة العالية، والمعاني السامية، وما زال هذا شأنه تربيه حوادث الكون، وتهذبه تجارب السنين والأيام، فاستعمل النحاس بعد الحجارة في معايشه، وانتقل من بعد ذلك إلى الحديد، ثم ارتقى إلى استعمال البخار فالكهرباء.
وقد كان في طور قصوره لا يدرك إلا ما يصل إليه الحس، ولا يعلم المحسوس، ولم يزل كذلك حتى كشفت له تجارب السنين والأيام خطأه فيما يتوهم، وعلمته الحوادث ما لم يكن يعلمه، فاستعد لفهم باطن ما عقل، وسر ما عرف، فجاءته الأنبياء تهديه لصلته بربه، وصلته ببني الإنسان، وكانوا له بمنزلة الرأس من البدن يبينون له الخير، ويبشرون كاسبه بأحسن الجزاء، وينذرون فاعل الشر بسوء المصير، بنار وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين.
وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ أي إن الله يبعث الأنبياء لينبهوا أقوامهم إلى ما غفلوا عنه، ويحذروهم عاقبة ما هم فيه من سيء العادات، وقبيح الأخلاق، وشر الأعمال، حتى إذا تهيأت نفوسهم لقبول تشريع الأحكام أنزل الله الكتاب لبيان تلك الأحكام بحسب استعداد تلك الأمم.
وفي الآية إيماء إلى أن الكتاب هو الذي يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، فيجب على الحاكمين، أن يلزموا حكمه ؟، ولا يعدلوا عنه إلى ما تسوله لهم نفوسهم وتزينه أهواؤهم من ضروب التأويل، فينضم إلى الاختلاف في المنافع اختلاف آخر في ضروب التأويل فتصبح المصلحة مفسدة.
وكما أضاف الحكم إلى الكتاب هنا، أضاف إليه النطق في قوله : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق والهدى والتبشير في قوله : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين .
وفي الآية إيماء إلى أن الله أنزل مع كل نبي كتابا سواء كان طويلا أو قصيرا دون وحفظ، أو لم يدون ولم يحفظ ليبلغه للناس، فيبلغ السلف الخلف، والسابق اللاحق.
ثم ذكر أن ممن أوتوا الكتاب من جعلوه مصدر الاختلاف بغيا وجورا قال :
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ أي إن الاختلاف الذي وقع من الرؤساء والأحبار، والعلماء وأهل النظر القائمين على الدين الحافظين له بعد الرسل، وهم الذين أوتوه، وأعطاهم الله الكتاب ليقرروا ما فيه، ويراقبوا سير العامة عليه، بعد أن قامت الأدلة على عصمة الكتاب من وصمة إثارة الخلاف، وأنه ما جاء إلا لإسعاد الناس والتوفيق بينهم، لا لإشقائهم وتمزيق شملهم- لم يكن مصدره إلا البغي بينهم، وتعدي الحدود التي أقامها الدين حواجز بين الناس.
فقد يشوب طلب الحق شيء من الرغبة في عزة الرياسة، أو ميل مع أربابها، أو شهوة خفية في منفعة أخرى، وهذا من البغي على حق الله في عباده، أو من التعصب للرأي وتأييد المذهب بدون رعاية للدليل ولا نظر إلى البرهان، وربما كان هذا مع حسن النية، فيكون هذا مصدر شقاق وخلاف، وقد كان الواجب تمحيص الآراء ليحصل الوفاق، لكن هذه الجناية التي جناها الرؤساء على أنفسهم وعلى الناس بسبب بغيهم لا تقدح في هداية الكتاب إلى ما يتفق عليه الناس من الحق، فبغى علماء الدين في التأويل، وكثرة القيل والقال ليس بعيب في الكتاب، فالذي يؤتى العقل ثم لا يهتدي بهديه، هل يعد ذلك منقصة له، تدل على أنه ليس بنعمة من عند الله ؟ والذين لهم أبصار ولا يستعملونها في معرفة الطريق التي يسيرون فيها، ولا في وقاية أرجلهم من الأشواك التي تصادفهم في تلك الطريق، ولا يتباعدون من حفرة يتردون فيها، وربما كانت نظرة واحدة تقيهم من التهلكة لو وجهوا أنظارهم نحوها. وكذلك لا يأخذون حذرهم إذا سمعوا الأصوات التي تنذر بالخطر العاجل – فهل حال مثل هؤلاء يحط من قيمة السمع والبصر ؟ كذلك حال رجال الدين لا تقدح في إرشاد الدين، وقيمة هديه للناس.
وقد رأينا الأديان في بدء نشأتها تلم الشمل وتمحق أسباب الخلاف من النفوس، وتوجد بين معتنقيها أخوة لا تدانيها أخوة النسب، فكان الواحد من الصحابة يؤثر أخاه في الدين بماله على نفسه، ويبذل روحه فداء له، والأخ من النسب لا يفعل شيئا من ذلك.
كان هذا أيام كان الدين غضا طريا معروفا بحقيقته لأهله، تبينه للناس رؤساؤه، ويمشي بنوره فيهم علماؤه، لا خلاف ولا اعتساف، ولكن خلف من بعدهم خلف اعتسفوا في التأويل، وما همهم من ذلك إلا سد مطامعهم، وتأييد سطوتهم، سواء أهدمت أحكام الله أم قامت، واعوجت السبل أم استقامت، ثم يأتي ضال آخر فيحرف ويؤول، ويريد أن ينال من الأول ما نال هذا من غيره، فيقع الخلاف والشقاق باسم الدين ولحماية الدين، وكم حروب وقعت بين المسلمين حتى قصمت ظهورهم، وأوهنت عزتهم، وما كان دعواهم في كل ما حدث إلا حفظ الدين، وحمل الناس على الحق المبين، وقد سبقهم إلى مثل هذا اليهود والنصارى ولا يزال أمرهم كذلك إلى اليوم، فكأنهم احتذوا حذوهم، وجعلوا رائدهم مع ما كان في كتابهم من النعي عليهم وتقريعهم على سوء صنيعهم، وكتابهم مليء بهذا، وسنة نبيهم تحذرهم كل التحذير من سلوك هذا الطريق المعوج الذي جرى عليه سابقوهم، وكان وبالا ونكالا عليهم.
ثم أرشد إلى أن الإيمان الصحيح يهدي إلى الحق ويمنع الاختلاف قال :
فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ أي إن المؤمنين هم الذين يهتدون إلى ما اختلف الناس فيه من الحق ويصلون إلى ما يرضي ربهم بتوفيقه وإنعامه، فالإيمان الصحيح له نور يسطع في العقول فيهديها في ظلمات الشبه، ويضيء لها السبيل إلى الحق الذي لا يخالطه باطل، فيسهل عليها أن تميط كل أذى يتعثر فيه السالك، كما لا يسمح لصاحبه أن يأخذ بأمر قبل أن يتبصر فيه، ويعرف أنه نافع له في دينه ودنياه، ويجعل لنفسه رقيبا عليها في كل خطرة تمر بباله، وكل نظرة تقع على ما بين يديه من آيات الله، فإذا اعتقد فهو يعتقد ما يطابق الواقع، وإذا تخيل فإنما يتخيل صورا تجلي الواقع في أقوى مظاهره، فهو ساكن القلب، مطمئن النفس، والناس في اضطراب وحرب، كفروا بأنعم الله فعوقبوا عليها بفشو الشر، وفساد الأمر كما قال تعالى : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء، إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون .
تفسير المراغي
المراغي