ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ٢٤٦ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ٢٤٧
تمهيد في نسبة قصص القرآن إلى التاريخ والفرق بينهما وبيان حال الأمم قبل القرآن وبعده
بدأ الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى تفسير هذه الآيات بمقدمة في قصص القرآن جعلها كالتمهيد لتفسيرها فقال ما مثاله مع إيضاح : تقدم في تفسير ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم أن القرآن لم يعين أولئك القوم ولا الزمان ولا المكان اللذين كانوا فيهما ( يعني على القول بأنها قصة واقعة لا ضرب مثل كما قال عطاء ). ثم ذكر ههنا قصة أخرى عن بني إسرائيل فعين القوم وذكر أنه كان لهم نبي ولم يذكر اسمه ولا الزمان ولا المكان اللذين حدثت فيهما القصة. ولكنه ذكر بعد ذلك اسم طالوت وجالوت وداود.
يظن كثير من الناس الآن ـ كما ظن كثير ممن قبلهم ـ أن القصص التي جاءت في القرآن يجب أن تتفق مع ما جاء في كتب بني إسرائيل المعروفة عند النصارى بالعهد العتيق أو كتب التاريخ القديمة، وليس القرآن تاريخا ولا قصصا، وإنما هو هداية وموعظة، فلا يذكر قصة لبيان تاريخ حدوثها، ولا لأجل التفكه بها أو الإحاطة بتفصيلها، وإنما يذكر ما يذكره لأجل العبرة كما قال لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ( يوسف : ١١١ ) وبيان سنن الاجتماع كما قال قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف عاقبة المكذبين ( غافر : ٨٥ ) وقال سنة الله التي قد خلت في عباده ( غافر : ٨٥ ) وغير ذلك من الآيات.
والحوادث المتقدمة منها ما هو معروف. والله تعالى يذكر من هذا وذاك ما شاء أن يذكر لأجل العبرة والموعظة، فيكتفي من قصة بموضع العبرة ومحل الفائدة، ولا يأتي بها مفصلة بجزئياتها التي لا تزيد في العبرة بل ربما تشغل عنها. فلا غرو أن يكون في هذه القصص التي يعظنا الله بها ويعلمنا سننه ما لا يعرفه الناس، لأنه لم يرو ولم يدون بالكتاب. وقد اهتدى بعض المؤرخين الراقين في هذه الأزمنة إلى الاقتداء بهذا، فصار أهل المنزلة العالية منهم يذكرون من وقائع التاريخ ما يستنبطون منه الأحكام الاجتماعية وهو الأمور الكلية، ولا يحفلون بالجزئيات لما يقع فيها من الخلاف الذي يذهب بالثقة، ولما في قراءتها من الإسراف في الزمن والإضاعة للعمر بغير فائدة توازيه، وبهذه الطريقة يمكن إيداع ما عرف من تاريخ العالم في مجلد واحد يوثق به ويستفاد منه، فلا يكون عرضة للتكذيب والطعن، كما هو الشأن في المصنفات التي تستقصي الوقائع الجزئية مفصلة تفصيلا.
إن محاولة جعل قصص القرآن ككتب التاريخ بإدخال ما يروون فيها على أنه بيان لها هي مخالفة لسنته، وصرف للقلوب عن موعظته، وإضاعة لمقصده وحكمته. فالواجب أن نفهم ما فيه، ونعمل أفكارنا في استخراج العبر منه. ونزع نفوسنا عما ذمه وقبحه، ونحملها على التحلي بما استحسنه ومدحه، وإذا ورد في كتب أهل الملل أو المؤرخين ما يخالف بعض هذه القصص فعلينا أن نجزم بأن ما أوحاه الله إلى نبيه ونقل إلينا بالتواتر الصحيح هو الحق وخبره هو الصادق، وما خالفه هو الباطل، وناقله مخطئ أو كاذب، فلا نعده شبهة على القرآن، ولا نكلف أنفسنا الجواب عنه، فإن حال التاريخ قبل الإسلام كانت مشتبهة الاعلام، حالكة الظلام، فلا رواية يوثق بها، للمعرفة التامة بسيرة رجال سندها، ولا تواتر يعتد به بالأولى، وإنما انتقل العالم بعد نزول القرآن من حال إلى حال، فكان بداية تاريخ جديد للبشر كان يجب عليهم ـ لو أنصفوا ـ أن يؤرخوا به أجمعين اهـ.
أقول إن الذي يسبق إلى الذهن من هذا القول هو أن ما كان من شؤون الأمم وسير العالم بعد الإسلام لم ينطمس ولم تذهب الثقة به، ولم ينقطع سند روايته كما كان قبله. وبيان ذلك بالإجمال أن القرآن قد جاء البشر بهداية جديدة كاملة كانوا قد استعدوا للاهتداء بها بالتدريج الذي هو سنة الله تعالى فيهم، فكان من عمل المسلمين في حفظ العلم والتاريخ العناية التامة بالرواية ما يقبل منها وما لا يقبل، ولذلك ألفوا الكتب في تاريخ الرواة لتعرف سيرتهم، وتبين الصادق والكاذب منهم، وتعرف الرواية المتصلة والمنقطعة، وبحثوا في الكتب المؤلفة متى يوثق بنسبتها إلى مؤلفيها، وبينوا حقيقة التواتر الذي يفيد اليقين، والفرق بينه وبين ما يشتهر من روايات الآحاد، فهذه العناية لم ينقطع سند لنوع من أنواع العلم التي وجدت في المسلمين، على أن العناية بعلوم الدين أصولها وفروعها كانت أتم، ثم كان شأن من قفى على آثارهم في العلوم والمعارف بعد ضعف حضارتهم على نحو من شأنهم في التصنيف، وإن كان دونهم في ضبط الرواية ونقدها والأمانة فيها، فلم يضع شيء من العلوم والفنون ولا من الحوادث والوقائع التي جرت في العالم بعد الإسلام، وما اختلف الرواة والمصنفون في جزئياته من تاريخ الإسلام وغيره يسهل تصفيته في جملته، وأخذ المصفى منه لأجل الاعتبار به، وعرفان سنن الاجتماع منه، جريا على هدي القرآن فيه.
لقد وصل الراقون في مدارج العمران اليوم إلى درجة يسهل فيها من ضبط جزئيات الوقائع ما لم يكن يسهل على من قبلهم، كاستخدام الكهرباء في نقل الأخبار لمن يدونها في الصحف وتصوير الوقائع والمعاهد بما يسمونه التصوير الشمسي ( فوتوغرافيا ) وسهولة الانتقال على الكاتبين من مكان إلى مكان، وتأمين الحكام لهم من المخاوف وغير ذلك. وقد اجتمع من هذه الوسائل في الحرب التي كانت في هذين العامين بين دولتي اليابان وروسيا ما لم يجتمع لمدوني التاريخ في غيرها من الحروب ولا غير الحروب من حوادث الزمان، وقد كان لأشهر الجرائد الغربية مكاتبون في مواقع الحرب يتبارون في السبق إلى الوقوف على جزيئات الحوادث وإيصالها إلى جرائدهم، كما تفعل شركات البرقيات ( التلغرافات ) في أنباء المشتركين فيها بذلك، وكنا نرى في رسائل الفريقين من الخلاف والتناقض ما يتعذر معه العلم بالحقيقة ؛ وكم من رسالة للشركات البرقية ولمكاتبي الجرائد كانت من المسائل المتفق عليها فتبين بعد ذلك كذبها١ فهذه آية بينة على أنه لا سبيل إلى الثقة بجزئيات الوقائع التي تحدث في عصرنا ويعنى المؤرخون أشد العناية بضبطها، إلا ما يبلغ رواته المتفقون عليه مبلغ التواتر الصحيح وقليل ما هو، فما بالك بما كان في الأمم الخالية ؟
وجملة القول إن طريقة القرآن في قصص الذين خلوا هي منتهى الحكمة. وما كان لمحمد الأمي الناشئ في تلك الجاهلية الأمية أن يرتقي إليها بفكره، وقد جهلها الحكماء في عصرنا وقبل عصره، ولكنها هداية الله تعالى لعباده أوحاها إلى صفوته منهم صلى الله عليه وسلم : وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ( الأعراف : ٤٣ ). فعلينا وقد ظهرت الآية ووضحت السبيل أن نلتفت إلى روايات الغابرين في تلك القصص ولا نعد مخالفتها للقرآن شبهة نبالي بكشفها كما قال الأستاذ الإمام روح الله روحه في مقام الرضوان.
فإن قيل : إن قصص العهدين العتيق والجديد التي يسمى مجموعها ( الكتاب المقدس ) هي وحي من الله شهد لها القرآن وهي تعارض بعض قصصه ( قلنا ) أولا إن تلك الكتب ليس لها أسانيد متصلة متواترة، وثانيا : إن القرآن إنما أثبت أن الله تعالى أعطى موسى عليه السلام التوراة وهي الشريعة وأن أتباعه قد حفظوا منها نصيبا ونسوا نصيبا، وأنهم حرفوا النصيب الذي أوتوه، وأنه أعطى عيسى عليه السلام الإنجيل وهو مواعظ وبشارة وقال في أتباعه مثل ما قال في اليهود ( فنسوا حظا مما ذكروا ). ويجد القارئ تفصيل هذه الحقائق في تفسير سورة آل عمران والمائدة والأعراف بالنقول من تاريخ الفريقين.
بعد هذا نقول إن وجه الاتصال بين آيات هذه القصة وما قبلها هو أن الآيات التي قبلها نزلت في شرع القتال لحماية الحقيقة وإعلاء شأن الحق، وبذل المال في هذه السبيل سبيل الله لعزة الأمم ومنعتها وحياتها الطيبة، التي يقع من ينحرف عنها من الأقوام في الهلاك والموت، كما علم من قصة الذين خرجوا من ديارهم فارين من عدوهم على كثرتهم. وهذه القصة ـ قصة قوم من بني إسرائيل ـ تؤيد ما قبلها من حاجة الأمم إلى دفع الهلاك عنها، فهي تمثل لنا حال قوم لهم نبي يرجعون إليه، وعندهم شريعة تهديهم إذا استهدوا، وقد أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بالقهر، كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن، فعلموا أن القتل ضرورة لا بد من ارتكابها ما دام العدوان في البشر، وبعد هذا كله جبنوا وضعفوا عن القتال، فاستحقوا الخزي والنكال.
فهذه القصة المفصلة، فيها بيان لما في تلك المجملة : فر أولئك من ديارهم فماتوا بذهاب استقلالهم، واستيلاء العدو على ديارهم. فالآية هناك صريحة في أن موتهم هذا مسبب عن خروجهم فارين بجبنهم، ولم تصرح بسبب إحيائهم الذي تراخت مدته، ولكن ما جاء بعدها من الأمر بالقتال وبذل المال الذي يضاعفه الله تعالى أضعافا كثيرة، قد هدانا إلى سنته في حياة الأمم، وجاءت هذه القصة الإسرائيلية تمثل العبرة فيه، وتفصل كيفية احتياج الناس إليه، إذ بينت أن هؤلاء الناس احتاجوا إلى مدافعة العادين عليهم، واسترجاع ديارهم وأبنائهم من أيديهم، واشتد بالحاجة حتى طلبوا من نبيهم الزعيم الذي يقودهم في ميدان الجلاد، وقاموا بما قاموا به من الاستعداد. ولكن الضعف كان بلغ من نفوسهم مبلغا لم تنفع معه تلك العدة، فتولوا وأعرضوا للأسباب التي أشير إليها، وألهم القليل منهم رشدهم واعتبروا فانتصروا.
أقول : وفي تاريخ أهل الكتاب ما يفيد أن بني إسرائيل كانوا في الزمن الذي بعث فيه صموئيل نبيا ملهما قد انحرفوا عن شريعة موسى ونسوها، فعبدوا من دون الله آلهة أخرى، فضعفت رابطتهم الملية، وسلط الله عليهم الفلسطينيين فحاربوهم حتى أثخنوهم فانكسروا، وسقط منهم ثلاثون ألف مقاتل، وأخذ تابوت عهد الرب منهم، وكان بنو إسرائيل يستفتحون ( أي يستنصرون ويطلبون الفتح ) به على أعدائهم. فلما أخذه أهل فلسطين انكسرت قلوب بني إسرائيل ولم تنهض همتهم لاسترداده وكانوا إلى ذلك العهد لا ملوك لهم، وإنما كان رؤساؤهم القضاة بالشريعة، ومنهم الأنبياء ومنهم صموئيل كان قاضيا فلما شاخ جعل بنيه قضاة وكان ولده البكر وولده الثاني من قضاة الجور وأكلة الرشوة، فاجتمع كل شيوخ بني إسرائيل ( وهم المعبر عنهم في القرآن بالملأ ) وطلبوا من صموئيل أن يختار لهم ملكا يحكم فيهم كسائر الشعوب فحذرهم وأنذرهم ظلم الملوك واستبعادهم للأمم، فألحوا فألهمه الله تعالى أن يختار لهم طالوت ملكا، واسمه عندهم شاول فذلك قوله تعالى :
وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يوت سعة من المال الظاهر أن طالوت تعريب لشاول، وإن كان بعيدا منه في اللفظ، وقيل إنه لقب له من الطول، كملكوت من الملك وأمثالها، وذلك أنه كان طويلا مشذبا، ففي سفر صموئيل الأول من العهد العتيق " من كتفه فما فوق كان أطول من كل شعب " وفيه " فوقف بين الشعب فكان أطول من كل الشعب من كتفه فما فوق " واعترض بمنع صرفه.
وقال الأستاذ الإمام عند ذكر طالوت هو الذي يسمونه ( شلول ) وقد سماه الله طالوت فهو طالوت. أي أننا لا نعبأ بما في كتبهم لما قدمنا. وإذا علم القارئ أن القوم لا يعرفون كاتب سفري صموئيل الأول والثاني من هو ؟ ولا في أي زمن كتبا، فإنه يسهل عليه أن لا يعتد بتسميتهم. وأما استنكارهم جعله ملكا فقد صرحوا به وقالوا إن منهم من احتقره، ولكن أخبارهم لا تتصل بأسبابها، ولا تقرن بعللها. وقال المفسرون في استنكارهم لملكه وزعمهم أنهم أحق بالملك منه، أنه كان من أولاد بنيامين من بيت يهوذا، وهو بيت الملك، ولا من بيت لاوي وهو بيت النبوة، وفهم بعضهم من قوله : ولم يؤت سعة من المال إنه كان فقيرا وقالوا كان راعيا أو دباغا أو سقاء. ولا يصح كلامهم في بيت الملك لأنه لم يكن فيهم ملوك قبله، ونفيهم سعة المال التي تؤهله في رأي القائلين لا تدل على أنه كان فقيرا. وإنما العبرة في العبارة هي ما دلت عليه من طباع الناس وهي أنهم يرون أن الملك لابد أن يكون وارثا للملك، أو ذا نسب عظيم يسهل على شرفاء الناس وعظمائهم الخضوع له، وذا مال عظيم يدبر به الملك، والسبب في هذا أنهم قد اعتادوا الخضوع للشرفاء والأغنياء، وإن لم يمتازوا عليهم بمعرفهم وصفاتهم الذاتية، فبين الله تعالى فيما حكاه عن نبيه في أولئك القوم أنهم مخطئون في زعمهم أن استحقاق الملك يكون بالنسب وسعة المال بقوله :
قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم فسروا اصطفاء الله تعالى هنا بوحيه لذلك النبي أن يجعل طالوت ملكا عليهم، ولعله لو كان هذا هو المراد لقال اصطفاه لكم كما قال : اصطفى لكم الدين ( البقرة : ١٢٢ ) والمتبادر عندي أن معناه فضله واختاره عليكم بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للملك، ولا ينافي هذا كون اختياره كان بوحي من الله، لأن هذه الأمور هي بيان لأسباب الاختيار وهي أربعة :
١ الاستعداد الفطري.
٢ السعة في العلم الذي يكون به التدبير.
٣ بسطة الجسم المعبر بها عن صحته وكمال قواه المستلزم ذلك لصحة الفكر، على قاعدة " العقل السليم في الجسم السليم "، وللشجاعة والقدرة على المدافعة، وللهيبة والوقار.
٤ توفيق الله تعالى الأسباب له وهو ما عبر عنه بقوله : والله يؤتي ملكه من يشاء .
والاستعداد هو الركن الأول في المرتبة فلذلك قدمه، والعلم بحال الأمة ومواضع قوتها وضعفها، وجودة الفكر في تدبير شؤونها، هو الركن الثاني في المرتبة، فكم من عالم بحال زمانه غير مستعد للسلطة اتخذه من هو مستعد لها سراجا يستضيء برأيه في تأسيس مملكة أو سياستها، ولم ينهض به رأيه إلى أن يكون هو السيد الزعيم فيها. وكمال الجسم في قواه وروائه هو الركن الثالث في المرتبة وهو في الناس أكثر من سابقيه.
وأما المال فليس بركن من أركان تأسيس الملك، لأن المزايا الثلاث إذا وجدت سهل على صاحبها الإتيان بالمال. وإنا لنعرف في الناس من أسس دولة وهو فقير أمي، ولكن استعداده ومعرفته بحال الأمة التي سادها وشجاعته كانت كافية للاستيلاء عليها والاستعانة بأهل العلم بالإدارة والشجعان على تمكين سلطته فيها. وقد قدم الأركان الثلاثة على الرابع لأنها تتعلق بمواهب الرجل الذي اختير ملكا فأنكر القوم اختياره فهي المقصود بالجواب. وأما توفيق الله تعالى بتسخير الأسباب التي لا عمل له فيها لسعيه فليس من مواهبه ومزاياه فتقدم في أسباب اختياره، وإنما تذكر تتمة للفائدة وبيانا للحقيقة، ولذلك ذكرت قاعدة عامة لا وصفا له.
ولله در الشاعر العربي حيث قال في صفات الجدير بالاختيار لزعامة الأمة وقيادتها :
| فقلدوا أمركم لله دركمو | رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا |
| لا مترفا إن رخاء العيش ساعده | ولا إذا عض مكروه به خشعا |
| وليس يشغله مال يثمِّره | عنكم، ولا ولد يبغي له الرفعا |
نعم إذا أراد الله إسعاد أمة جعل ملكها مقويا لما فيها من الاستعداد للخير حتى يغلب خيرها على شرها فتكون سعيدة، وإذا أراد إهلاك أمة جعل ملكها مقويا لدواعي الشر فيها حتى يغلب شرها على خيرها فتكون شقية ذليلة، فتعدو عليها أمة قوية، فلا تزال تنقصها من أطرافها، وتفتات عليها في أمورها، أو تناجزها الحرب، حتى تزيل سلطانها من الأرض، يريد الله تعالى ذلك فيكون بمقتضى سننه في نظام الاجتماع، فهو يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء بعدل وحكمة، لا بظلم ولا عبث، ولذلك قال : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ( الأنبياء : ١٠٥ ) وقال : إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ( الأعراف : ١٢٨ ) فالمتقون في هذا المقام مقام استعمار الأرض والسيادة في الممالك هم الذين يتقون أسباب خراب البلاد وضعف الأمم، وهي الظلم في الحكام والجهل وفساد الأخلاق في الدولة والأمة، وما يتبع ذلك من التفرق والتنازع والتخاذل، والصالحون في هذا المقام هم الذين يصلحون لاستعمار الأرض وسياسة الأمم بحسب استعدادها الاجتماعي.
أطلت في بيان معنى مشيئة الله تعالى في إتيان الملك لأنني أرى عامة المسلمين يفهمون من مثل عبارة الآية في إيجازها أن الملك يكون للملوك بقوة إلهية هي وراء الأسباب والسنن التي يجري عليها البشر في أعمالهم الكسبية. وهذا الاعتقاد قديم في الأمم الوثنية، وفي معناه عبارة في كتب النصرانية، وبه استعبد الملوك الناس الذين يظنون أن سلطتهم شعبة من السلطة الإلهية، وأن محاولة مقاومتهم هي كمحاولة مقاومة الباري سبحانه وتعالى، والخروج عن مشيئته.
وكان الأستاذ الإمام أوجز في الدرس بتفسير قوله تعالى : والله يؤتي ملكه من يشاء إذ جاء في آخره. وقد كتبت في مذكرتي عنه " أي أن له سنة في تهيئة من يشاء للملك " ومثل هذا الإجمال لا يعقله إلا من جمع بين الآيات الكثيرة في إرث الأرض وفي هلاك الأمم وتكونها، والآيات الواردة في أن له تعالى في البشر سننا لا تتبدل ولا تتحول وقد ذكرنا بعضها، ومنها قوله تعالى : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ( الرعد : ١١ ) فحالة الأمم في صفات أنفسها وهي عقائدها ومعارفها وأخلاقها وعاداتها، هي الأصل في تغير ما بها من سيادة أو عبودية وثروة أو فقر وقوة أو ضعف، وهي هي التي تمكن الظالم من إهلاكها. والغرض من هذا البيان أن نعلم أنه لا يصح لنا الاعتذار بمشيئة الله عن التقصير في إصلاح شؤوننا اتكالا على ملوكنا، فإن مشيئته تعالى لا تتعلق بإبطال سننه تعالى وحكمته في نظام خلقه، ولا دليل في الكتاب والسنة ولا في العقل ولا في الوجود على أن تصرف الملوك في الأمم هو بقوة إلهية خارقة للعادة، بل شريعة الله تعالى وخليقته شاهدتان بضد ذلك فاعتبروا يا أولي الأبصار ( الحشر : ٢ ).
ثم ختم الآية بقوله تعالى : والله واسع عليم على طريقة القرآن في التنبيه على الدليل بعد الحكم والتذكير بأسمائه الحسنى وآثارها، أي واسع التصرف والقدرة إذا شاء أمرا اقتضته حكمته في نظام الخليقة فإنه يقع لا محالة، عليم بوجود الحكمة فلا يضع سنته في استحقاق الملك عبثا، ولا يترك أمر العباد في اجتماعهم سدى، بل وضع لهم من السنن الحكيمة ما هو منتهى الإبداع والإتقان، وليس في الإمكان أبدع مما كان.
هذا وقد جرى المفسرون على أن وجوه الرد على منكري جعل طالوت ملكا أربعة. وأحسن عبارة لهم على اختصارها عبارة البيضاوي قال : لما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك ( أولا ) : بأن العمدة اصطفاء الله تعالى، وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم. و( ثانيا ) : بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن من معرفة الأمور السياسية وجسامة البدن ليكون أعظم خطرا في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، لا ما ذكرتم، وقد زاده الله فيها، وقد كان الرجل القائم يمد يده فينال رأسه، و( ثالثا ) : بأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء و( رابعا ) : بأنه " واسع " الفضل على الفقير ويغنيه " عليم " بمن يليق بالملك وغيره. اه. فجعلوا الأول بمعنى الثالث وجعلوا مزية العقل ومزية البدن شيئا واحدا وهما شيئان، وأجملوا القول في المشيئة حتى أن المتوهم يتوهم أن ذلك يكون بعناية غيبية، لا بسنة إلهية، وجعلوا كونه تعالى واسعا عليما وجها خاصا. ولا أحفظ عن الأستاذ الإمام في الأول شيئا، ورأيه في مشيئة الله تعالى هنا ما تقدم آنفا، وقد فسر الواسع التصرف والقدرة، وهو يتفق مع قولهم واسع الفضل، وقال في تفسير " عليم " عليم بوجوه الاختيار ومن يستحق الملك.
أذكر ما يظهر لي من السنن والأحكام الاجتماعية في آيات هذه القصة مفصلة معدودة لعلها توعى، وتحفظ فلا تنسى إن شاء الله تعالى.
السنة الأولى : إن الأمم إذا اعتدي على استقلالها، وأوقع الأعداء بها، فهضموا حقوقها، تتنبه مشاعرها لدفع الضيم وتفكر في سبيله، فتعلم أنها الوحدة التي يمثلها الزعيم العادل، والقائد الباسل، فتتوجه إلى طلبه حتى تجده كما وقع من بني إسرائيل بعد تنكيل أهل فلسطين بهم.
الثانية : إن شعور الأمة بوجوب حفظ حقوقها، وصيانة استقلالها، إنما يكون على حقيقته وكماله في خواصها، فمتى كثر هؤلاء الخواص في أمة فإنهم هم الذين يطلبون الرئيس الذي يملك عليهم، كما علمت من إسناد طلب الملك إلى الملأ من بني إسرائيل وهم شيوخهم وأهل الفضل فيهم.
الثالثة : متى عظم الشعور في نفوس خواص الأمة بوجوب حفظ استقلالها، ودفع ضيم الأعداء عنها، فإنه لا يلبث أن يسري إلى عامتها، فيظن الناقص أن عنده من النعرة والحمية للأمة ما عند الكامل، حتى إذا خرجت من طور الفكر والشعور إلى طور العمل والظهور، انكشف عجز الأدعياء المدعين، ولم ينفع إلا صدق الصادقين، كما علم من قوله تعالى : فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قيلا منهم والله عليم بالظالمين .
الرابعة : إن من شأن الأمم الاختلاف في اختيار الرئيس الذي يكون له الملك عليها، والاختلاف مدعاة التفرق، فيجب أن يكون هناك مرجع يقبله الجمهور من الأمة. لذلك لجأ الملأ من بني إسرائيل إلى نبيهم وطلبوا منه أن يختار لهم رجلا يكون ملكا عليهم. وقد جعل الإسلام المرجع لاختيار إمام المسلمين مبايعة أولي الأمر لمن يختارونه من أنفسهم، وهم أهل الحل والعقد والمكانة في الأمة الذين هم عون السلطان وقوته باحترام الأمة لهم وثقتها بهم، لذلك لم ينصب النبي صلى الله عليه وسلم إماما للمسلمين في أمر الزعامة والحكم، ولكن استنبط بعض العظماء من الصحابة رضاء النبي صلى الله عليه وسلم بإمامة أبي بكر الدنيوية، بإنابته عنه في الإمامة الدينية، وهي إمامة الصلاة إذ أمر عندما اشتد مرضه، بأن يصلي أبو بكر بالناس مكانه، ومع هذا قال عمر : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها. أي أن الشورى في انتخابه لم تكن تامة. وإنما كان هو الذي عجل بالبيعة خوفا من عاقبة طول أمد الخلاف مع إجماعهم على عدم دفن النبي صلى الله عليه وسلم قبل نصب الخليفة له، ولكن خلافته وإمامته ( رض ) لم تثبت بالفعل إلا بمبايعة الأمة له.
الخامسة : إن الناس لا يتفقون على التقليد أو الاتباع فيما يرونه مخالفا لمصلحتهم الاجتماعية، ولذلك اختلف بنو إسرائيل على نبيهم في جعل طالوت ملكا عليهم، واحتجوا على ذلك بما لا ينهض حجة إلا في ظن المنكرين. ومن عجيب أمر الناس أن كلا منهم يحسب أنه يعرف الصواب في السياسة ونظام الاجتماع في الأمم والدول، فلا تعرض مسألة على عامي إلا ويبدي فيها رأيا يقيم عليه دليلا على أن هذا العلم هو أعلى من سائر العلوم التي يعترف الجاهلون بها بجهلهم، فلا يحكمون فيها كما يحكمون في علم السياسة والاجتماع. وما يعقله إلا الأفراد من الناس، ومن فروع هذه القاعدة أن عامة المسلمين لهذا العهد يرون أن الدعوة إلى جعل الخلافة موافقة للقواعد الشرعية التي يعتقدونها مخالفة لمصلحتهم، وكثير منهم يعد الداعي إلى ذلك عدوا لهم بل للإسلام نفسه١.
السادسة : إن الأمم في طور الجهل ترى أن أحق الناس بالملك والزعامة أصحاب الثروة الواسعة كما علم من قول المنكرين على ملك طالوت في تأييد إنكارهم [ ولم يؤت سعة من المال ] وأصحاب الأنساب الشريفة، كما علم مما فسر به العلماء قوله لهم، ونحن أحق بالملك منه . فهذا الاعتقاد من السنن العامة في الأمم الجاهلة خاص، فإنها هي التي تخضع لأصحاب العظمة الوهمية، وهي التي ليست صفة لنفس صاحبها كالمال والانتساب إلى بعض العظماء في عرفهم، سواء كانت عظمتهم بحق أو بغير حق. هذا موضع الخطأ في تعظيم ذي النسب، ويشتد خطره إذا صار أهل الأنساب يستعلون على الناس بأنسابهم دون علومهم وأعمالهم. والقرآن لم يصرح بأن ذلك هو وجه قولهم أنهم أحق بالملك. وفي المسألة نظر لا محل هنا لبسطه، ولكن نقول بالإجمال إن الانتساب إلى أهل الشرف الحقيقي، وهم أصحاب المعارف الصحيحة والأخلاق الفاضلة، والنفوس الكريمة العزيزة له أثر في النفس عظيم، فإن سليل الشرفاء جدير بأن يحافظ على كرامة نفسه فلا يدنسها بالخيانة، ثم أنه لا بد أن يرث شيئا من فضائلهم النفسية فيكون استعداده للخير أعظم في الغالب.
وإنك لتجد الأمم الراقية في العلم والاجتماع تختار ملوكها من سلالة الملوك والأمراء وتحافظ على قوانين الوراثة في ذلك، وما ارتقى عن هذا إلا أصحاب الحكومة الجمهورية، وقد جاء حكم الإسلام في هذه المسألة وسطا لم يغفل أمر النسب بالمرة لئلا تتسع دائرة الخلاف بطمع كل قبيلة في الإمامة الكبرى، ولم يجعل الأمر في بيت معين لما في ذلك من الغوائل، بل جعله في قبيلة عظيمة كثيرة العدد لا تخلو ممن هو أهل للإمامة، وهي محترمة في نفسها كانت محترمة في العصر الأول، ويرجى أن يدوم احترامها ما دام الإسلام الذي أتم الله نعمته على البشر بجعل رسول الله وخاتم النبيين منها ألا وهي قريش. فمن الحكمة في ذلك أن تظل الرياسة العليا للأمة مرتبطة بتاريخ ماضيها وقوم مؤسسها كارتباط دينها بوطنه في عبادتها الشخصية والاجتماعية وهما الصلاة والحج.
السابعة : إن الشروط التي تعتبر في اختيار الرجل في الملك هي ما استفدناه من قوله تعالى : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم الآية كما تقدم.
الثامنة : هي ما أفاده قوله تعالى : والله يؤتي ملكه من يشاء كما بيناه معززا بالشواهد من الكتاب العزيز على أن مشيئته تعالى إنما تنفذ بمقتضى سننه العامة في تغيير أحوال الأمم بتغييرهم ما في أنفسهم، وفي سلب ملك الظالمين وإيراث الأرض للصالحين، وتأويل هذه الآيات وأمثالها مشاهد في كل زمان، وأين المبصرون ؟ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ( الأنبياء : ٤٤ ) أو لم يسمعوا دعوة الأنبياء بقوله تعالى في سورة الشعراء : فاتقوا الله وأطيعون* ولا تطيعوا أمر المسرفين* الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ( الشعراء : ١٥٠- ١٥٢ ) أيظن المسلم الغافل أن مشيئة الله تعالى في قوله : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ( آل عمران : ٢٦ ) هي عبارة عن مخالفة سننه التي بينتها الآيات التي ذكرناها وما في معناها مما لم نذكره ؟ بل أقول ولا أخشى في الحق لومة لائم : أيظن المسلمون أن تنازع الأمم والدول على ممالكهم وسلبها من أيديهم مخالف لعدل الله العام وسننه الحكيمة التي جاء بها القرآن ؟ كلا إنه تعالى ما فرط في الكتاب من شيء، ولكنهم هم الذين فرطوا فذاقوا جزاء تفريطهم، فإن تابوا وأصلحوا تاب الله عليهم، وإلا فقد مضت سنة الأولين.
التاسعة : إن طاعة الجنود للقائد في كل ما يأمر به وينهى عنه شرط في الظفر واستقامة الأمر. وقوانين الجندية في هذا الزمان مبنية على طاعة الجيش لقواده في المنشط والمكره والمعقول وغير المعقول. فإذا أمر القائد بتسليم الديار أو الأموال أو الأنفس للأعداء وجب تسليمها في قانون كل دولة، نعم أنهم قرنوا بهذا الحق للقائد إيجابهم على أن يبرم الأمور باستشارة أهل الرأي في الفنون العسكرية وهم الذين يسمونهم أركان الحرب. ولكن هؤلاء ورئيسهم مقيدون بدستور الدولة العام، وبموافقة مجلس نواب الأمة على ما نص الدستور على وجوب موافقتهم عليه، ومن خالف ذلك يحاكم ويعاقب.
العاشرة : إن الفئة القليلة قد تغلب بالصبر والثبات وطاعة القواد، الفئة الكثيرة التي أعوزها الصبر والاتحاد، مع طاعة القواد، لأن نصر الله مع الصابرين ـ أي جرت سنته بأن يكون النصر، أثرا للثبات والصبر، وأن أهل الجزع والجبن هم أعوان لعدوهم على أنفسهم، وهذا مشاهد في كل زمان، وهو كثير لا مطرد كما جاء في الآية الكريمة.
الحادية عشرة : إن الإيمان بالله تعالى والتصديق بلقائه من أعظم أسباب الصبر والثبات في مواقف الجلاد، فإن الذي يؤمن بأن له إلها غالبا على أمره يمده بمعونته الإلهية، كما أمده بالقوى الروحية والجسدية، فإذا ظفر بإذنه كان مصلحا في الأرض مستعمرا فيها، وإذا قبضه إليه بانتهاء أجله المسمى كان في رحمته ناعما فيها، لهو جدير بأن يستخف بالأهوال، ويثبت في القتال ثبات الأجبال، وقد وافقنا كتاب الإفرنج في هذه المسألة، فصرحوا بأن من أسباب ثبات البوبر وبلائهم في حربهم للإنكليز كونهم أقوى إيمانا وأرسخ عقيدة، وجميع الأمم تشهد بأن الجيش العثماني أثبت جيوش العالم وأصبره وأشجعه، وقد تمنى قائد ألماني يعد من أشهر قواد الأرض لو أن له مئة ألف من هذا الجيش ليملك بها العالم، ذلك بأنه جيش يؤمن بلقاء الله تعالى إيمانا يقل في قواده من يساويه فيه٢.
الثانية عشرة : إن التوجه إلى الله تعالى بالدعاء مفيد في القتال كما يدل عليه قوله تعالى : فهزموهم بإذن الله إذ عطفها بالفاء على آية الدعاء، وذلك معقول المعنى فإن الدعاء هو آية ذلك الإيمان الذي بينا فائدته آنفا ولذلك قال عز وجل في سورة الأنفال : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ( الأنفال : ٤٥ ) فيراجع تفسيرها في الجزء العاشر.
الثالثة عشرة : دفع الله الناس بعضهم ببعض من السنن العامة وهو ما يعبر عنه علماء الحكمة في هذا العصر بتنازع البقاء، ويقولون إن الحرب طبيعية في البشر لأنها من فروع سنة تنازع البقاء العامة. وأنت ترى أن قوله تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ( البقرة : ٢٥١ ) ليس نصا فيما يكون بالحرب والقتال خاصة، بل هو عام لكل نوع من أنواع التنازع بين الناس الذي يقتضي المدافعة والمغالبة. ويظن بعض المتطفلين على علم السنن في الاجتماع البشري أن تنازع البقاء الذي يقولون إنه سنة عامة هو من أثرة الماديين في هذا العصر، وأنه جور وظلم، هم الواضعون له والحاكمون به، وأنه مخالف لهدى الدين، ولو عرف من يقولون هذا معنى الإنسان أو لو عرفوا أنفسهم، أو لو فهموا هذه الآية وما في معناها من سورة الحج لما قالوا ما قالوا.
الرابعة عشرة : قوله تعالى : لفسدت الأرض يؤيد السنة التي يعبر عنها علماء الاجتماع بالانتخاب الطبيعي أو بقاء الأمثل. ووجه ذلك جعل هذا من لوازم ما قبله، فإنه تعالى يقول إن ما فطر عليه الناس من مدافعة بعضهم بعضا من الحق والمصالحة هو المانع من فساد الأرض أي هو سبب بقاء الحق وبقاء الصلاح. ويعزز ذلك قوله تعالى في بيان حكمة الإذن للمسلمين بالقتال في سورة الحج :{ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير* الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز* الذين إن مكناهم في الأرض وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأ
تفسير المنار
رشيد رضا