ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

الربع الأخير من الحزب الرابع
في المصحف الكريم
من خصائص القرآن الكريم أنه يقص على الرسول الأعظم وأمته المستخلفة في الأرض أحسن القصص، دفعا إلى الموعظة والاعتبار من جهة، وضربا للمثل بواقع التاريخ من جهة أخرى، وهذا الربع الذي نحن بصدده من هذا القبيل، فقد تناولت أغلب آياته الكريمة قصة تجري وقائعها بأرض فلسطين بعد مرور حقبة من الدهر انتصر فيها الفلسطينيون على بني إسرائيل، وهزموهم هزيمة شنعاء، واستولوا على التابوت الذي كان بنو إسرائيل يتحصنون به من قبل في حروبهم، تبركا بما فيه من آثار موسى وهارون، فلما طال أمد الهزيمة على بني إسرائيل لجأوا إلى نبيهم صمويل يطلبون منه أن يختار لهم ملكا يلتفون من حوله، عسى أن يغسلوا العار الذي لحقهم، ويسترجعوا مكانتهم، وهذه القصة تلتقي في بطولتها ثلاثة أسماء بارزة : جالوت وطالوت وداود، أما جالوت فهو ملك القوم الذين انتصروا على بني إسرائيل وهزموهم من قبل وأخذوا تابوتهم المقدس، وهو قائدهم الأعلى، وأما طالوت فهو الإسرائيلي الذي رشحه النبي صمويل ملكا جديدا على بني إسرائيل، إجابة لطلبهم، وأملا في إعادة الكرة على خصومهم، بعدما ضاع ملكهم واندثر نفوذهم زمنا طويلا.
وأما داود فهو الفتى الشجاع الذي أردى جالوت قتيلا بمقلاعه البسيط وأحجاره الملساء، بعدما رأى بني إسرائيل يتساقطون كالذباب أمام جالوت العملاق، وقد كان إقباله على هذه المغامرة بعد استئذان منه لملكه طالوت، الذي زوجه بعد الانتصار على جالوت وجنوده ابنته ( ميكال )، مكافأة له على شجاعته التي أصبحت مضرب الأمثال، الأمر الذي كان بعد ذلك من أقوى العوامل في ترشيح داود لملك بني إسرائيل عندما تخلى طالوت وساح في الفلوات، هائما على وجهه يلتمس النجاة والتوبة وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء .
والذي يهمنا من هذه القصة بالذات، هو ما احتوت عليه مشاهدها من التوجيهات القرآنية السامية، التي يجب أن تكون نبراسا لحياة المسلمين في كل عصر.
أمامنا قوله تعالى في بيان فضل طالوت المرشح للملك على غيره من بني إسرائيل قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( ٢٤٧ ) ، وهذه الآية تشير إلى جملة من الخصال الرئيسية المطلوبة في قائد الأمة ورئيسها الأعلى، وأنه يتأهل لرياسة الدولة إلا من آتاه الله حظا وافرا من الخصائص والمواهب الروحية والجسمية، وكان له شفوف على الباقين، ومكانة مرموقة بين الناس أجمعين.
ومن هذه الآية وما شابهها استنبط علماء الشريعة في ( الأحكام السلطانية ) التي تقابل في الفقه الإسلامي ( القانون والنظام الدستوري الحديث ) جملة من الشروط المعتبرة في الإمامة العظمى، فذكروا في طليعتها العلم المؤدي إلى الاجتهاد وحسن النظر في النوازل والأحكام، والرأي المفضي إلى حسن سياسة الرعية وتدبير مصالحها العامة، والشجاعة المؤدية إلى حماية البيضة وصد العدو، وسلامة الأعضاء والحواس من كل نقص يمنع من مباشرة المهام، التي هي في عهدة الإمام.
كما تشير نفس الآية إلى أن الرياسة العليا للأمة والدولة لا يكفي للبت في أمرها مجرد الهوى الشخصي ومعسول الأماني، بل إن للحكمة الإلهية-التي كثيرا ما تبقى مطوية في عالم الغيب- دخلا كبيرا في الترشيح لها والإعانة عليها، وإن كره الكارهون، وهذا ما تومئ إليه الآية : وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( ٢٤٧ ) .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير