وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا
تفسير المفردات :
وطالوت معرب شاول لقب به لطوله، فقد جاء في سفر صموئيل الأول من العهد العتيق ( فوقف بين الشعب فكان أطول من كل الشعب، من كتفه فما فوق ). اصطفاه : أي فضله بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للملك، وبسطة الجسم عظمه.
المعنى الجملي :
بعد أن ذكر سبحانه في الآيات التي قبل هذه شرع القتال لحماية الحق. وبذل المال في سبيل الله لعزة الأمة ومنعتها، وأن من ينحرف عن ذلك يتردى في مهاوي الردى كما وقع لمن خرجوا من ديارهم فارين من عدوهم على كثرة عددهم.
هنا بين قصة قوم من بني إسرائيل أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بالقهر، كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن واستحقوا الخزي والنكال، لكن جاءت هذه القصة مفصلة تبين ما في القصة الأولى المجملة، فإن الأولى تصرح بأن موتهم كان بذهاب استقلالهم، وأنه نتيجة لفرارهم وضعف عزيمتهم، لكن لم يذكر سبب إحيائهم وإن كان قد فهم مما جاء بعدها من الأمر بالقتال وبذل المال أن هذا هو سنة الله في إحياء الأمم.
أما هذه القصة فقد فصلت احتياج هؤلاء القوم إلى القتال لمدافعة العادين عليهم، واسترجاع ديارهم من أيديهم، فبذلوا الوسع في الاستعداد للدفاع، لكن الضعف قد بلغ منهم كل مبلغ، فتولوا وأعرضوا عن القتال إلا قليلا منهم، ألهمهم الله رشدهم فاعتبروا وانتصروا.
وقد جاء قصص القرآن للعبرة والموعظة كما قال : لقد كان في قصصهم عبرة للأولي الألباب ومن ثم لم يذكر إلا ما تمس الحاجة إليه من الفائدة، أما ذكر التفاصيل والجزئيات فربما شغل عن ذلك – إلى ما فيها من خلاف ربما يذهب الثقة بها، ومن قبل هذا اقتدى كثير من المؤرخين في العصر الحديث بطرق القرآن فلا يذكرون إلا الأمور الكلية، ولا يحفلون بالجزئيات، مع توافر أسباب ضبطها ونقل أخبارها بتصوير الوقائع والأماكن، وسهولة الانتقال من مكان إلى مكان، وإنك لترى في ذكر أخبار الحروب في العصر الحاضر التناقض الواضح بين رسائل الفريقين المختصمين فيها، مما يرفع الثقة بها.
وإذا جاء في كتب بني إسرائيل المعروفة عند النصارى بالعهد العتيق، أو في كتب التاريخ القديمة مما يخالف ما في القرآن في باب القصص، فعلينا ألا نحفل به ولا نكلف أنفسنا الجواب عنه فحال التاريخ قبل الإسلام كانت حالكة الظلام، فلا يوثق إذ ذاك برواية، كما أن الكتب الدينية ليست لها أسانيد متواترة، وقد صرح القرآن بأن أتباع موسى نسوا حظا مما ذكروا به، وحفظوا نصيبا وهذا الذي حفظوه حرفوه، وأن أتباع عيسى فعلوا مثل ما فعل أصحاب موسى، فلا ثقة بما جاء في قصص العهدين العتيق والجديد مما يسمى مجموعه الكتاب المقدس
الإيضاح :
روي في أخبار بني إسرائيل أن الإسرائيليين في الزمن الذي بعث فيه صموئيل نبيا لهم، كانوا قد انحرفوا عن شريعتهم وعبدوا الأصنام والأوثان، وضعفت فيهم الرابطة الدينية، فسلط الله عليهم أهل فلسطين، فأثخنوهم وقتلوا منهم العدد الكثير، وأخذوا تابوت عهد الرب، وكانوا من قبل يستفتحون به ( يطلبون الفتح والنصر به ) على أعدائهم ففترت هممهم واستكانوا وذلوا، ولم يكن لهم إلى ذلك العهد ملوك، بل رؤساؤهم وقضاتهم رجال الدين، ومن بينهم أنبياؤهم، ومن هؤلاء صموئيل، فقد كان قاضيا، ولما كبرت سنه جعل بنيه قضاة، فكانوا من قضاة الجور وأكلة الرشا، فاجتمع شيوخ بني إسرائيل الذين عبر عنهم القرآن بالملأ، وطلبوا من صموئيل أن يختار لهم ملكا يحكم فيهم كبقية الشعوب الأخرى، فحذرهم وأنذرهم ظلم الملوك واستعبادهم للأمم فألحوا، فألهمه الله أن يختار لهم شاول ملكا.
قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ أي كيف يملك علينا وهو لا يستحق هذا التملك ؟ لأن هناك من هو أحق به منه، ولأنه لا يوجد لديه ما يتوقف عليه الملك وهو المال، ولأنه ليس من سلائل الملوك ولا من سلائل النبوة، وقد كان الملك في سبط يهوذا بن يعقوب لا يتجاوزه إلى غيرهم ومنهم داود وسلميان، وكانت النبوة في سبط لاوى بن يعقوب، ومنه موسى وهارون.
وقد جرت العادة عند الناس أن الملك لا بد أن يكون وارثا للملك أو ذا نسب شريف يسهل على عظماء الناس أن يخضعوا له، وأن يكون ذا مال يدبر به الملك ولا يأبهون بمعارفه وصفاته وفضائله وأخلاقه.
من أجل هذا بين الله فيما حكاه عن نبيه خطأ هؤلاء القوم في زعمهم أن الملك لا يستحق إلا بالنسب وسعة المال فقال :
قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء أي قال لهم نبيهم : إن الله اختاره ملكا عليكم لما فيه من المزايا الآتية :
الاستعداد الفطري وهو في المنزلة الأولى من الأهمية، ومن ثم قدمه.
السعة في العلم الذي يكون به التدبير، ومعرفة مواطن ضعف الأمة وقوتها وجودة الفكر في تدبير شؤونها.
بسطة الجسم وكمال قواه المستلزمة لصحة المفكر، فقد جاء في أمثالهم : العقل السليم في الجسم السليم. وللشجاعة والقدرة على المدافعة والهيبة والوقار.
توفيق الله تعالى له بتسخير الأسباب التي لا عمل له فيها، وهذا ما عناه سبحانه بقوله : وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء .
أما المال فليس بلازم في تأسيس الملك، لأنه متى وجدت الأسباب سهل على صاحبها إيجاد المال اللازم لتدبير الملك، فكم في الناس من أسس دولة وهو فقير أمي وكان استعداده ومعرفته بحال الأمة التي سادها كافيا في الاستيلاء عليها، واستعانة بأهل العلم والشجاعة كافيا في تمكين سلطته فيها.
وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ أي والله واسع التصرف والقدرة، إذا شاء أمرا اقتضته حكمته في نظام الخليقة فإنه يقع لا محالة، عليم بوجوه الحكمة، فهو يضع لهم من السنن والنظم ما هو في منتهى الإبداع والإتقان، وليس في الإمكان أبدع مما كان.
تفسير المراغي
المراغي