ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

ونحو:
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم....
شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
فقول من قال: العروة الوثقى الإسلام، وقول من قال: " لا إله إلا الله، وقول من قال: الثواب: الجنة، فنظرات منهم إلى مبتدى الدين ومنتهاه، وكله صحيح.
قوله - عز وجل:
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ الآية - (٢٥٧) - سورة البقرة
الولي: كون الشيء بجنب الآخر، ويعتبر ذلك تارة بالمكان، فيقال له الولاية وتارة بالنصر فيقال له الولاء والموالاة، لكن الولاء على ضربين باعتبار نسبة الأعلى إلى الأسفل، وضرب باعتبار نسبة الأسفل إلى الأعلى، ولهذا يقال للخادم والمخدوم مولى، وولي، لأن كل واحد منهما يوالي الآخر الخادم بالطاعة والنصيحة، والمخدوم بالإشفاق، والكناية، وقال: أهل اللغة: المولى المالك، والمملوك والمعتق والمعتق والناصر والمنصور وابن العم والحليف والجار والقيم، وأخذوا في كل ذلك المتطابقين، لكون كل واحد مهما موالياً للآخر بوجه..

صفحة رقم 532

والنور: عبارة عن العلم والإيمان والظلمة عن ضدهما، ووجه ذلك أنه لما كان للإنسان نظرات بنظر وتبصر، ويرى بهما البصر الحاس في الرأس والبصيرة في القلب، فكما أن البصر لا يستغنى في إدراك ما يدركه من المعقولات عن نور يمده وهو نور التوفيق والإيمان، ويقال لفقد البصرين عمى، ولفقد النورين ظلمة، وأعظمهما ضرراً فقد البصيرة ونور العقل، ولهذا قال تعالى:
فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ فلم يعد فقد البصر عمى.
بالإضافة إلى فقد البصيرة، وقوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ وقوله: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وقوله: مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني بذلك كلا النورين والظلمتين،
إن قيل: وهل هذا النور موهبة أو مكتسب؟
قيل: لا شك في كونه موهبة، لقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ لكن فيه للاكتساب حظ، فإن ابتداء ما يحصل ذلك للإنسان كشررة، متى لم ترع همدت، وإذا روعيت زادت، كما قال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى بين تعالى إن الله عز وجل - يوالي المؤمنين بأن يوفقهم ويهديهم، وهم يوالونه بأن يشكروه ويعبدوه، كما قال تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فهو يخرجهم من الجهل والكفر إلى العلم والإيمان والثواب والكافرون، يواليهم الشيطان في إخراجهم إلى أضداد ذلك
إن قيل: لم قال: أولياؤهم وما يفعل بهم الطاغوت هو بالمعاداة أشبه منه بالموالاة؟
قيل: لعمري إن ذلك نهاية المعاداة وتسميته بالموالاة أولى لمقابلة اللفظ، وثانياً: لتحريهم ما يقع بوفاقه، وميلهم إلى حزبه، فجعله موالاهم في اللفظ لا في الحقيقة، ألا ترى أنه قال: {أَلَمْ

صفحة رقم 533

أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} فسماه عدواً، وعلى حد جعله أوليائهم جعلهم حزبه في قوله: أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ وقال للمؤمنين: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
إن قيل: فكيف قال ها هنا: أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ وقال في آخر ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ.
قيل: إن من وليه الشيطان، فلا ولي له، ولا فرق بين أن يقال: وليه من نصره، وبين أن يقال: لا ولي له، وقول من قال: الله ولي المؤمنين بتوفيقه وعصمته، ومن قال بإقامة البرهان لهم، ومن قال بنصرته على عدوهم، وإظهار دينهم على دين مخالفيهم، من قال بثوابهم، فكله صحيح ومراد، لأن ذلك متلازم، وإنما اختلفت العبارات عليهم بحسب النظرات ونحو ذلك في استعمال النور والظلمة في العلم والجهل والإيمان والكفر..
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ الآية.
إن قيل: كيف؟ قال (يخرجونهم من النور إلى الظلمات) وقد قلت: النور: العلم والإيمان، والكفار لم يكونوا في هذا النور، والإخراج عن الشيء يعد لكون فيه، قيل: إن الله تعالى خلق الإنسان على فطرة، ركز فيه العلم والإيمان بالقوة، وهو المعنى بقوله: (فطرة الله)، و (صبغة الله)، وقول النبي- عليه الصلاة والسلام: " كل مولود يولد على الفطرة "، والإنسان متى أهلك نفسه وأفسدها بالهوى والتدليس بالجهالات، فقد أخرج من النور إلا الظلمة، وقال الحسن إخراجه إياهم منعهم من الدخول فيه كقوله:

صفحة رقم 534

لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ فجعل صيانتهم من العذاب كشفنا عنهم، وروي عن مجاهد أن ذلك في قوم ارتدوا عن الإسلام، وقيل إن ذلك نزل في قوم كفروا بعيسى ثم آمنوا بمحمد- عليهما الصلاة والسلام- فأخرجهم الله من الظلمات إلى النور، وقوم آمنوا بعيسى- عليه الصلاة والسلام-، ثم كفروا بمحمد- عليه الصلاة والسلام-، فأخرجهم الطاغوت من النور إلى الظلمة...
إن قيل: لم قال: يخرجونهم بلفظ الجمع؟
قيل: قد قال بعضهم: الطاغوت يقع على الواحد والجمع كالفلك، ووجه ذلك من حيث المعنى أن الطاغوت إشارة إلى المضلات من الشيطان والهوى وسائر ما يضل، وقد قال بعض الحكماء ما هو كالتفسير، لذلك إنه متى يخالف العقل والهوى شيئا ما، أعنى: مؤلماً- جميلاً وملذاً فضيحاً، يبادر الملك إلى نصرة العقل، فيصير من حزبه، والشيطان إلى نصرة الهوى، فيصير من جنده وإن استشار صالحاً من عباد الله، أشار عليه بمقتضى العقل، وإن استشار شريراً أشار عليه بمقتضى الهوى، ولذلك قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ

صفحة رقم 535

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية