قوله عَزَّ وَجَلَّ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ؛ نَزَلَتْ فِي شأنِ النفقةِ التي يُسْتَحَقُّ بها الثوابُ المضاعفُ ؛ معناهُ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي طاعةً اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً على السائلِ نحو أن يقولَ للسائل إذا وقعَ بينه وبينه خصومةٌ : أعطيتُك كذا، وأحسنتُ إليك، وما أشبهه مما يبغضُ على السائلِ. وأصلهُ من القَطْعِ ؛ يقال : مَنَنْتُ الشيءَ إذا قَطَعْتُهُ ؛ ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين : ٦] أي غيرُ مقطوعٍ، ويقال : جَبَلٌ مَنِيْنٌ ؛ أي مقطوعٌ. وقيل : أصل الْمِنَّةِ النعمةُ، يقال : مِنَّ (يَمُنُّ) إذا أعْطَى وأنْعَمَ، قال اللهُ تعالى : هَـاذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ [ص : ٣٩] أي أعْطِ أو أمسِك.
وقال الكلبيُّ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أمَّا عُثْمَانُ رضي الله عنه فَجَهَّزَ الْمُسْلِمِيْنَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بأَلْفِ بَعِيْرٍ بأَقْتَابهَا وَأحْمَالِهَا). " وروي أن عثمانَ جاء بألفِ مِثْقَالٍ في جيشِ العسرةِ فصبَّها في حِجْرِ رسولِ اللهِ ﷺ، فكانَ ﷺ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيْهَا وَيُقَلِّبُهَا وَيَقُولُ :[مَا يَضُرُّ عُثْمَانَ مَاذَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ]. وقال أبو سعيدٍ الخدري : رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَافِعاً يَدَيْهِ يَدْعُو لِعُثْمَانَ وَيَقُولُ :[يَا رَب، عُثْمَانُ رَضِيْتُ عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ] فَمَا زَالَ يَدْعُو رَافِعاً يَدَيْهِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ "، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأما عبدالرحمن بن عوف فقد ذكرنا صدقته.
قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلاَ أَذًى أي لا يؤذي السائلَ ؛ لا يُعَيِّرُهُ ولا يزجرهُ ؛ نحو أن يقول : أنتَ أبداً في فقرٍ وما أبلانا بكَ، وأراحَنَا اللهُ منكَ، وأعطيناكَ فما شكرتَ، وما أشبه ذلك. قَالَ ﷺ :" الْمَانُّ بمَا يُعْطِي لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَِ يَنْظُرُ إلَيْهِ وَلاَ يُزَكِّيْهِ وَلَهُ عَذَابٌ ألِيْمٌ " فحظرَ اللهُ الْمَنَّ بالصَّنيعة على عبادهِ واختصَّ به صفةً لنفسه ؛ لأنه مِن العبدِ تَعيْيْرٌ وَتَكْدِيْرٌ ؛ ومِن اللهِ تعالى إفْضَالٌ وَتَذْكِيْرٌ. قال بعضُهم : أفْسَدْتَ بالْمَنِّ مَا قَدَّمْتَ مِنْ حَسَنٍ لَيْسَ الْكَرِيْمُ إذَا أعْطَى بمَنَّانِقَوْلُهُ تَعَالَى : لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ؛ أيْ لا خَوْفٌ عَلَيْهُمْ فيما يستقبلُهم من أهوالِ يوم القيامةِ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلَّفوا في الدُّنيا.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني