ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

حبةٍ، فحذف المضاف (١).
فإن قيل: فهل رؤي سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها؟ قيل: قد يتصور ذلك وإن لم ير، وليس القصد في المثل تصوير سنبلة فيها مائة حبة، وإنما القصد التشبيه بمثل هذه السنبلة، على تقدير التصوير، لا على تحقيق التصوير، والعادة في الأمثال التي تضرب أن يشبه الشيء بما يجوز أن يتصور، وإن لم ير ذلك الشيء، وقد قيل: إنه رأى ذلك في سنبل الدُّخن، وقد قيل: المراد بقوله: فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ (٢) أنها إذا بذرت أنبتت مائة حبة، فقيل: فيها مائة حبة على هذا المعنى، كما يقال: في هذه الحبة حبّ كثير (٣) وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ من أهل النفقة في طاعته وَاللَّهُ وَاسِعٌ جواد لا ينقصه ما يتفضل به من السعة، (عليم) بمن ينفق (٤).
٢٦٢ - قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ إلى قوله مَنًّا وَلَا أَذًى المنّ في اللغة على وجوه: يكون بمعنى الإنعام، يقال: قد منَّ عليَّ فلان: إذا أَفْضَل وأَنْعَم، ولفلان عليّ منّة، أي: نعمة، أنشد ابن الأنباري:

فمِنّي عَلَيْنَا بالسَّلامِ فَإِنَّما كلامُكِ ياقُوتٌ ودُرٌّ مُنَظَّمُ (٥)
(١) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٥٨، "التبيان" ص ١٥٨، قال: وإنما قدر المحذوف لأن الذين ينفقون لا يشبهون بالحبة، بل إنفاقهم أو نفقتهم. "البحر المحيط" ٢/ ٣٠٣.
(٢) سقطت من (ي).
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٦١، "تفسير السمعاني" ٢/ ٤٢٢، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٦٠، "تفسير البغوي" ١/ ٣٢٥.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٦٠.
(٥) البيت أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٣١٧ دون نسبة إلى قائل، وقال: ذكر ذلك أبو بكر بن الأنباري.

صفحة رقم 408

ومن النعمة: قوله - ﷺ -: "ما من الناس أحد أمنّ علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة (١) ".
يريد: أنعم وأسمح بماله، ولم يرد المنة التي تهدم الصنيعة، والله تعالى يُوصَفُ بأنه مَنَّان، أي: منعم. قال أهل اللغة: المن: الإحسانُ إلى من لا يستثيبه، ولهذا يقال: الله تعالى منّان، لأن إحسانه إلى الخلق ليس لطلب ثواب، ومن هذا قوله: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ [ص: ٣٩] وقوله: وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: ٦] أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثرَ مما أعطيت (٢).
والمنّ في اللغة أيضًا: النقص من الحق والبخس له، قال الله تعالى: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ [القلم: ٣] يقال: غير مقطوع، وغير منقوص، ومن هذا يسمى الموت: مَنُونًا؛ لأنه يُنْقِصُ الأَعْدَاد، ويقطع الأعمار (٣).
ومن هذا: المِنَّةُ المذمومة؛ لأنها تُنْقِصُ النعمة وتُكَدِّرُها، قال

(١) أخرجه البخاري (٤٦٦) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر من المسجد، ومسلم (٢٣٨٢) كتاب: "فضائل الصحابة"، باب: من فضائل أبي بكر، والإمام أحمد في "مسنده" واللفظ له حديث رقم (١٥٤٩٢).
(٢) في (ي): (أعطيتك).
(٣) ينظر في معاني المن: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٩ - ٣٤٦٠ (مادة: منن)، "المفردات" ٤٧٧، "لسان العرب" ٧/ ٤٢٧٩، "عمدة الحفاظ" ٤/ ١٣١ - ١٣٢. وذكر الراغب أن المنة يراد بها: النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: منَّ فلان على فلان، إذا أثقله بالنعمة لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى. والثاني: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، ويقبح ذلك، قيل: المنة تهدم الصنيعة، ولحسن ذكرها عند الكفران قيل: إذا كفرت النعمة حسنت=

صفحة رقم 409

الشاعر في المِنَّةِ المَذْمومة:

أَنَلْتَ قليلًا ثم أسْرعَت مِنَّةً فَنَيْلُكَ مَمْنُون (١) لِذَاك قليلُ (٢)
فالمراد بالمن الذي في الآية: المنُّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة (٣)، وذكرها الذي يكدرها.
والعَرَبُ تتمدّح بترك المنِّ بالنعمة، قال قائلهم:
زَادَ مَعْروفَكَ عِنْدِي عِظَمًا أنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حقيرْ
تَتَنَاسَاهُ كأنْ لم تَأتِهِ وهو في العالم مَشْهورٌ كبيرْ (٤).
قال المفسرون: معنى المنّ المذكور في الآية: هو أن يقول: قد أحسنت إلى فلان، ونَعَشْتُه (٥)، وجبرت حاله، وأعنته، يمنُّ بما فعل (٦).
والأذى: هو أن يذكر إحسانه لمن لا يحب الذي أحسن إليه وقوفه عليه، وما أشبه ذلك من القول الذي يؤذيه (٧).
= المنة، وقوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ [الحجرات: ١٧] فالمنة منهم بالقول، ومنة الله عليهم بالفعل وهو هدايته إياهم كما ذكر.
(١) في (ش): (مذموم).
(٢) البيت أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٣١٧ دون نسبة إلى قائل وقال: ذكر ذلك أبو بكر بن الأنباري.
(٣) في (ي): (في الصنعة).
(٤) البيتان من قول الخُرَيمي، نسبهما إليه في "عيون الأخبار" ٣/ ١٦٠، و"دلائل الإعجاز" ١/ ٣٦٠ وروايتهم، وعند الناس بدل في العالم.
(٥) في (م): (تعيشته).
(٦) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٦٤ - ١٥٦٦.
(٧) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٦٤.

صفحة رقم 410

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية