قَوْلُهُ تَعَالَى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ؛ قال ابنُ عباس ومقاتلُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَلِيٍّ رضي الله عنه ؛ كَانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ دَرَاهِمَ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا ؛ فَتَصَدَّقَ بدِرْهَمٍ لَيْلاً ؛ وَبدِرْهَمٍ نَهَاراً ؛ وَبدِرْهَمٍ سِرّاً ؛ وَبدِرْهَمٍ عَلاَنِيَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).
وعن ابنِ عباس قال :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة : ٢٧٣] بَعَثَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بدَنَانِيْرَ كَثِيْرَةٍ إلَى أصْحَاب الصُّفَّةِ حَتَّى أغْنَاهُمْ ؛ وَبَعَثَ عَلِيُّ بْنُُ أبي طَالِبٍ رضي الله عنه فِي جَوْفِ اللَّيْلِ بوِسْقٍ مِنَ التَّمْرِ - وَالْوِسْقُ سُتُّونَ صَاعاً فَكَانَ أحَبُّ الصَّدَقَتَيْنِِ إلَى اللهِ تَعَالَى صَدَقَةُ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَنَزَلَ فِيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً أرَادَ باللَّيْلِ سِرّاً صَدَقَةَ عليٍّ رضي الله عنه وَبالنَّهَار عَلاَنِيَةً صَدَقَةَ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه).
وروي أيضاً عن ابنِ عباس في هذه الآية الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ : يَعْنِي فِي عَلْفِ الْخَيْلِ الْمُرْتَبطَةِ فِي سَبيْلِ اللهِ. وكان أبو هريرةَ إذا مَرَّ بفَرَسٍ سَمِيْنٍ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ ؛ فَإذا مَرَّ بفَرَسٍ أعْجَفَ سَكَتَ.
وعن رسولِ الله ﷺ أنَّهُ قَالَ :" مَنِ ارْتَبَطَ فَرَساً فِي سَبيْلِِ اللهِ وَأنْفَقَ عَلَيْهِ احْتِسَاباً ؛ كَانَ شَبَعُهُ وَجُوعُهُ وَرَيُّهُ وَظَمَؤُهُ وَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ فِي مِيْزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وقال ﷺ :" الْمُنْفِقُ فِي سَبيْلِ اللهِ عَلَى فَرَسِهِ كَالْبَاسِطِ كَفَّيْهِ بالصُّرَّةِ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ قال الأخفشُ وقُطْرُبُ :(جَعَلَ الْخَبَرَ بالْفَاءِ ؛ لأَنَّهُ فِي مَعْنَى (مَن)، وَجَوَابُ (مَن) بالْفَاءِ ؛ كَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ أنْفَقَ كَذَا فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبهِ). وقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ قد تقدَّم تفسيرهُ.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني