ونصر أبو علي هذه الطريقة، وقال: لم يثبت في قوله: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا مسألة منهم، لأن المعنى: ليس منهم مسألة فيكون منهم إلحاف، قال. ومثل ذلك قول الراجز (١):
| لا يُفْزعُ الأَرْنَبَ أهوالُها | ولا تَرَى الضَّبَّ بها يَنْجَحِرْ (٢) |
وقال الفراء: نَفَى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميعَ وجوه السؤال، كما تقول في الكلام: قل ما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلك لم تر قليلًا ولا كثيرًا من أشباهه (٤).
وحكى ابن الأنباري عن بعضهم: أن معنى الآية: لا يسألون الناس إلحافًا ولا غير إلحاف، فاكتُفي بالإلحاف من غيره، وجاز اختصاصه بالذكر؛ لأن القصد إنما هو نفي صفة الذم عنهم، وهذا كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] والبرد فاكتُفي بالحر من البرد.
٢٧٤ - قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً الآية.
(٢) البيت لعمرو بن أحمر في وصف فلاة، في "ديوانه" ص ٦٧، "الخزانة" ٢٧٣٤. "شرح أشعار الهذليين" ١/ ٣٦، "الخصائص" ٣/ ١٦٤، ٣٢١، "الحجة" لأبي علي ٢/ ٤٧ المعنى: نفى أن يكون في الفلاة حيوان.
(٣) "الحجة" ٢/ ٤٧.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٨١.
قال ابن عباس، في رواية مجاهد (١) وعطاء (٢): كان عند علي بن أبي طالب أربعة (٣) دراهم لا يملك غيرها، فتصدق بدرهمٍ سرًّا، ودرهمٍ علانيةً، ودرهمٍ ليلًا، ودرهمٍ نهارًا، فنزلت هذه الآية.
وقال في رواية الضحاك (٤): لما أنزل الله قوله: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا [البقرة: ٢٧٣] الآية. بعث عبد الرحمن بن عوف إليهم بدنانير كثيرة، وبعث علي بن أبي طالب في جوف الليل (٥) بوسق من تمر، وهو ستون صاعًا، فكان (٦) أحب الصدقتين إلى الله تعالى صدقة علي بن أبي طالب، وأنزل فيهما: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ الآية. عنى بالنهارِ علانيةً، صدقة عبد الرحمن، وبالليل سرًّا، صدقة علي.
وروى حنش بن عبد الله الصنعاني (٧) عن ابن عباس، قال: هذه الآية
(٢) لم أجده عن عطاء، وهو من الرواية التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.
(٣) في (ش): (أربع).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٩٣، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٤٠، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٣٣٠، وهو من رواية جويبر عن الضحاك، وجويبر ضعيف جدًّا، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٥) سقطت من (ش).
(٦) في (ي): (وكان).
(٧) هو: حنش بن عبد الله، ويقال: ابن علي بن عمرو السبئي، أبو رِشدين الصنعاني،=
في علف الخيل (١).
وبه قال أبو أمامة (٢) وأبو الدرداء (٣) ومكحول (٤) والأوزاعي (٥)، قالوا (٦): هم الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله، ينفقون عليها بالليل والنهار، سرًّا وعلانيةً، نزلتْ فيمنْ لم يرتبطها لخيلاء ولا مِضْمَار (٧).
وروي هذا مرفوعًا عن النبي أنه قال (٨): "هذه الآية نزلت في أصحاب الخيل (٩) ".
(١) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٥/ ٣٠٤، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٤٣، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٩٧، وعزاه الحافظ في "العجاب" ١/ ٦٣٦ إلى عبد ابن حميد، وعزاه السيوطي في "الدر" ١/ ٦٤١ إلى ابن المنذر.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٥/ ٣٠٤، والمحاملي في "أماليه" ص ٤٩، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٤٣.
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٣/ ١٠٠، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص ٩٢، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٩٣، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٤٠، "زاد المسير" ١/ ٣٣٠.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٤٣، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٩٣، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٤٠، وابن الجوزي في "تفسيره" ١/ ٣٣٠.
(٥) رواه عبد بن حميد كما عزاه إليه الحافظ في "العجاب" ١/ ٦٣٦، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٦٩٣، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٤٠.
(٦) في (ش): (قال).
(٧) "تفسيرالثعلبي" ٢/ ١٦٩٤.
(٨) في (م) قال في.
(٩) الحديث رواه ابن سعد في "الطبقات" ٧/ ٤٣٣، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" ٥/ ١٥٨، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٥٤٢، وأبو الشيخ في =
قال أبو إسحاق: الذين: رفع بالابتداء، وجاز أن يكون الخبر (١) ما بعد الفاء، ولا يجوز في الكلام: زيد فمنطلق، وصلح في الذي (٢)؛ لأنها تأتي بمعنى الشرط والجزاء (٣)، لأنه يدل أن الأجر من أجل الإنفاق في طاعة الله، كأنه قيل: من أنفق كذا فله أجره عند ربه، هذا كلامه، وشرح هذا الفصل أبو الفتح الموصلي (٤)، فقال: المعارف الموصولة والنكرات الموصوفة إذا تضمنت صلاتها (٥) وصفاتها معنى الشرط أدخلت الفاء في أخبارها، وذلك نحو قولك: الذي يكرمني فله درهم، فلما كان الإكرام سبب وجود الدرهم دخلت الفاء في الكلام، ولو قلت: الذي يكرمني له درهم، لم يدل هذا القول على أن الدرهم إنما (٦) يستحق للإكرام، بل (٧) إنما هو حاصل للمكرم على كل حال، وتقول في النكرة: كل رجل يزورني فله دينار، فالفاء هي التي أوجبت استحقاق الدينار بالزيارة، ولو قلت كل رجل يزورني له دينار لما دل ذلك على أن الدينار مستحق عن الزيارة بل
(١) في (م): (الخبر بها).
(٢) في (م) و (ش): (الذين).
(٣) "معاني القرآن" ١/ ٣٥٨.
(٤) هو: عثمان بن جني النحوي اللغوي، تقدمت ترجمته.
(٥) سقطت من (ش).
(٦) سقطت من (م).
(٧) سقطت من (ش).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي