استغنى أغناه اللَّه، ومن استعف أعفه اللَّه ". وإن كان على التعريض، ففيه إباحة التعريض بين يدي أهل الجود والسخاء.
وقوله تعالى: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا):
قيل: (بِسِيمَاهُمْ)، يعني: سيما التخشع.
وقيل: (بِسِيمَاهُمْ): بسيما الفقر عليهم، و (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) يعني: إلحاحا.
وقيل: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ)، أي: بتجملهم، (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)، أي: إلحاحًا، ولا غير إلحاح.
وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)
قيل: هي النفقة على الخيل المحتبسة للجهاد، ينفقون ليلا ونهارًا، سرًّا وعلانية، لا رياء فيها، ولا إضمار.
وعن عليٍّ وأبي أمامة الباهلي - رضي اللَّه تعالى عنهما -: هي النفقة على الخيل في سبيل اللَّه.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه قال: هي في علف الخيل والنفقة عليها.
وقيل: نزلت هذه الآية في نفقة عبد الرحمن بن عوف في جيش العسرة.
وقيل: نزلت في علي بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه لم يكن يملك من المال غير أربعة دراهم، وتصدق بدرهم ليلًا، وبدرهم نهارًا، وبدرهم سرًّا، وبدرهم علانية، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ما الذي حملك على هذا؟! قال: حملني أن أستوجب على اللَّه الذي وعدني؛ فنزلت فيه هذه الآية.
وقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري.
فلا ندري فيمن نزلت، وليس لنا إلى معرفة المنزل في شأنه حاجة سوى أنه وصفهم بالجود والسخاء، ونفقتهم على الناس ليلًا ونهارًا سرًّا وعلانية، لا رياء فيها، ولا مَنّ، ولا أذى.
وفيه نفى الرياء عن نفقتهم؛ لأن من عود نفسه الفعل في جميع الأوقات لم يراء.
وقوله تعالى: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)؛ لأن نعيم الدنيا مشوب بالحزن والخوف، فأخبر عَزَّ وَجَلَّ أن نعيم الآخرة لا يشوبه حزن ولا خوف؛ لذلك كان ما ذكر. واللَّه تعالى أعلم.
* * *
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم