قال البغوي : لما قال الله تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة قال الملائكة : ليخلق ربنا ما يشاء فلن يخلق خلقا أكرم منا عليه، وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره فأظهر الله تعالى فضله عليهم وعلم آدم الأسماء كلها قال أهل التفسير : المراد أسماء الخلائق، قال البغوي : قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة، وقيل : اسم ما كان ويكون إلى يوم القيامة، وقال الربيع بن أنس : أسماء الملائكة، وقيل : أسماء ذريته، وقيل : صفة كل شيء، قال أهل التأويل : علم آدم جميع اللغات ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة، قلت : وهذا الأقوال ليست بمرضية عندي فإن مدار الفضل على كثرة الثواب ومراتب القرب من الله تعالى دون هذه الأمورن ولو كان هذه الأمور مدارا لفضله لزم فضله على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم فإنه قال :«أنتم أعلم بأمور دنياكم »١ ولم يكن عليه السلام عالما بجميع اللغات، وعندي أن الله تعالى علم آدم الأسماء الإلهية كلها، فإن قيل : الأسماء الإلهية غير متناهية قال الله تعالى : أو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ٢ وقال سبحانه : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ٣ فكيف يحيط به علم البشر الممكن المتناهين وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أسئلُكَ بكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك »٤ رواه ابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة والطبراني وأحمد في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري يدل على أن الله استأثر عنده ببعض الأسماء لم يعلمها أحد ؟ قلت : المراد أن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها علما إجماليا لما حصل له معية بالذات تعالت وتقدست حصل له بكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته مناسبة تامة ومعية بحيث أنه كلما توجه إلى اسم من أسمائه وصفة من صفاته يتجلى له ذلك الاسم والصفة كما أنه إذا حصل لرجل ملكة في علم من العلوم كان بحيث كلما يتوجه إلى مسألة من مسائله يحضر تلك المسألة، وليس المراد العلم التفصيلي حتى يلزم المحذور. فإن قيل : لم يقل بما قلت أحد من المفسرين فهو قول في القرآن بالرأي وذلك غير جائز، روى البغوي بطرق عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من قال في القرآن برأيه » وفي رواية «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار »٥ قلت قال : قال البغوي قال شيخنا الإمام قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئا من غير علم يعني التفسير وهي الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها وذلك لا يجوز إلا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل وأصل التفسير من التفسرة وهي الدليل من الماء الذي ينظر فيها الطبيب فيكشف عن علة المريض كذلك المفسر يكشف عن شأن الآية وقصتها، فأما التأويل وهو صرف الآية إلى معنى محتمل موافق لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط فقد رخص فيه لأهل العلم، واشتقاق التأويل من الأول وهو الرجوع، يقال : أولته فآل أي صرفته فانصرفت، روى البغوي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع »٦ وروى الطبراني عنه بلفظ :«أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع » قال البغوي : قوله لكل حد مطلع أي مصعد يصعد ليه من معرفة علمه، يقال المطلع الفهم، وقد يفتح الله على المتدبر والمتفكر في التأويل والمعاني ما لا يفتح على غيره : وفوق كل ذي علم عليم ٧ انتهى حاصل كلامه، قلت : وما مر من أقوال المفسرين ليس شيئا منها مرفوعا، ولا علما لا يدرك بالرأي حتى يكون في معنى المرفوع بل تأويلات لمعنى الأسماء على حسب آرائهم ومن ثم ترى الاختلاف وما ذكرت لكل كذلك، وأيضا قول ابن عباس : علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة، وما قيل علمه أسماء ما كان وما يكون وأسماء ذريته وصفة كل شيء لا ينافي تعليمه الأسماء الإلهية وهي أفضل مما كان ويكون هو الأول ما كل شيء قبله والآخر لا يكون شيء بعده والظاهر لا شيء فوقه والباطن لا شيء دونه، وإنما اقتصر ابن عباس على ذكر أسماء الممكنات خطابا لإفهام العوام وكذلك شأن الأكابر يكلمون الناس على قدر عقولهم والله أعلم. ثم عرضهم على الملائكة قال المفسرون : الضمير راجع إلى المسميات المدلول عليها ضمنا إذ التقدير أسماء المسميات فحذف المضاف إليه وعوض عنه اللام كما في قوله تعالى : واشتعل الرأس شيبا ٨ وتذكير الضمير تغليب ما اشتمل عليه من العقلاء وإذا قلت المراد بالأسماء الإلهية فالضمير راجع إلى آدم وجمع الضمير للتعظيم أو المراد بآدم هو وآله كما يقال ربيعة ومضر، كذا قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى : على خوف من فرعون وملإيهم ٩ في سورة يونس، ولعل الله سبحانه عرض عليهم آدم ونسمات الأنبياء من ذريته حين أخرجهم من ظهره وأخذ منهم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم وأخذ من النبيين من محمد صلى الله عليه وسلم ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عليهم السلام أخذ منهم ميثاقا غليظا وهذا أنسب من إرجاع الضمير إلى المسميات، لأن المسميات غير مذكورة فيما قبل، والضمير للمذكورين العقلاء فلا بد فيه من تكلفات. وقرأ أبي بن كعب عَرَضَهَا، وقرأ ابن مسعود عَرَضَهُنَّ، وعلى تينك القراءتين الضمير راجع إلى الأسماء فقال تبكيتا لهم وتنبيها على عدم صلاحيتهم للخلافة أنبئوني بأسماء هؤلاء المشار إليه هي المسميات على تفسير المفسرين على ما قلت المشار إليه آدم وأله والإضافة لأدنى ملابسة أي الأسماء التي علمت هؤلاء، حديث :«كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد »١٠ رواه الطبراني عن ابن عباس وأبو نعيم في الحلية وابن سعد عن أبي الجدعاء يدل على أن الله سبحانه علمه ما علمه واصطفاه نبيا بالتجليات الذاتية المختصة بالأنبياء أصالة حين كان آدم بين الروح والجسد يعني حين تركب روح آدم بجسده فإن التجليات الذاتية البحتية كانت مشروطة بالجسد الترابي فإذا صار لآدم جسد واستقر نسمات ذريته في ظهره صاروا أهلا لها. إن كنتم صادقين إني لا أخلق خلقا إلا وكنتم أكرم علي منه وأفضل وأعلم. قرأ قنبل وورش بجعل الهمزة الثانية من هؤلاء إن كنتم صادقين ياء ساكنة، وقالون والبزي يجعلان الأولى ياء مكسورة وأبو عمر يسقطها والباقون يحققون الهمزتين وكذا في كل همزتين مكسورتين اجتمعتا من كلمتين، وفي رواية عن ورش أنه يجعل الثانية ياء مكسورة ههنا وفي النور : على البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً وأما في غيرهما فكقنبل، وأما إذا اجتمعتا مفتوحتين من كلمتين نحو : جاءَ أَجَلُهُمْ فورش وقنبل يجعلان الثانية مدة كما في المكسورة وقالون والبزي وأبو عمر ويسقطون الأولى والباقون يحققون الهمزتين وأما إذا اجتمعتا مضمومتين من كلمتين وذلك في موضع واحد في الأحقاف أولياءُ أُولئك فحكمه حكم المكسورة ورش وقنبل يجعلان الثانية واوا ساكنة وقالون والبزي يجعلان الأولى واوا مضمومة وأبو عمرو يسقطها والباقون يحققونهما.
٢ سورة الكهف، الآية: ١٠٩.
٣ سورة لقمان، الآية: ٢٧.
٤ رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان. انظر مجمع الزوائد في كتاب: الأذكار، باب: ما يقول إذا أصابه هم١٧١٢٩.
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه٢٩٥١.
٦ رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود، وقال عنه السيوطي: حسن انظر الجامع الصغير٢٧٢٧.
٧ سورة يوسف، الآية: ٧٦.
٨ سورة مريم، الآية: ٤.
٩ سورة يونس، الآية: ٨٣.
١٠ فيه قيس بن الربيع قال عنه الذهبي: تابعي له حديث منكر، وأخرجه الحاكم بلفظ. متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد» وقال عنه صحيح وأقره الذهبي. انظر فيض القدير٦٤٣٤.
التفسير المظهري
المظهري