ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ

و اذكر وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم قرأ أبو جعفر للملائكة اسجدوا بضم التاء بإعطاء حركة همزة الوصل وكذلك : قل رب احكم ١ بضم الباء والباقون بالكسر، والسجود في الأصل : التذلل، وفي الشرع : وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة، والمأمور به إما المعنى الشرعي فالمسجود له يكون بالحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة تفخيم الشأن واعترافا لما أنكروا أولا من فضله، ويدل على إرادة هذه المعنى الشرعي ما رواه أحمد ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول : يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود اعتزل الشيطان يبكي ويقول : يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار »٢ واللام في لآدم حينئذ بمعنى إلى كما قي قول حسان في مدح الصديق :
أليس أول من صلى لقبلتكم-وأعرف الناس بالقرآن والسنن
أو جعل آدم سببا لوجوب السجود وتوبة لما صدر عنهم صورة الاعتراض، واللام حينئذ للسببية نحو صل لدلوك الشمس، وإما المعنى اللغوي وهو التواضع والتذلل لآدم تحية وتعظيما كسجود إخوة يوسف، قال البغوي : هذا القول أصح قال : ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض إنما كان انحناء فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام. قلت : لعلهم إنما أمروا بتعظيم آدم شكرا له وأداء لحقه في التعليم قال رسول صلى الله عليه وسلم :«من لم يشكر الناس لم يشكر الله »٣ رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي سعيد.
فسجدوا يعني الملائكة كلهم أجمعين.
إلا إبليس هذا يدل على أن إبليس كان من الملائكة لصحة الاستثناء كما مر عن ابن عباس، فعلى هذا لا يكون الملائكة كلهم معصومين بل الغالب منهم العصمة كما أن بعضا من الإنس معصومون والغالب منهم عدم العصمة، وقيل كان جنيا نشأ بين الملائكة ومكث فيهم ألوف سنين فغلبوا عليه ويحتمل كون الجن أيضا مأمورين بالسجود مع الملائكة لكنه استغنى عن ذكرهم بذكر الملائكة لأن الأكابر لما أمروا بالسجود فالأصاغر أولى، ولعل ضربا من الملائكة كانوا متحدي الجنس بالشياطين مختلفين بالعوارض وما روى مسلم عن عائشة «خلقت الملائكة من نور وخلقت الجن من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم »٤ يحمل على اختلاف حقيقة بعض الملائكة من حقيقة الجن دون بعضهم وهم الذين لا يوصفون بالذكورة والأنوثة ولا يتوالدون، أو يقال النار والنور حقيقة واحدة والامتياز بينهما بالتهذيب والصفاء وبدونه، وقوله تعالى : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ٥ وهو قولهم الملائكة بنات الله دليل على اتحاد حقيقتهما والله أعلم بحقيقة الحال.
أبى امتنع من السجود.
واستكبر من أن يعظم آدم، أو يتخذه وصلة في عبادة ربه.
وكان في علم الله، أو صار من الكافرين باستقباحه أمر الله تعالى إياه بالسجود لآدم اعتقادا منه أنه أفضل من آدم حيث قال : أنا خير منه لا بترك الواجب وحده.

١ سورة الأنبياء، الآية: ١١٢.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة٨١. وأخرجه ابن ماجة في كتاب: إنامة الصلاة والسنة فيها، باب: سجود القرآن١٠٥٢.
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك ١٩٤٥.
٤ أخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها٢٢٣٦.
٥ سورة الصافات، الآية: ١٥٨.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير