ولما تبينّ شرف آدم عليه السلام وبان فضله أمرهم بالسجود له، فقال :
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ
قلت : إذ ظرف للماضي، ضد إذا، وهي معمولة لفعل مقدر، يفسره قوله تعالى : وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ [ الأعرَاف : ٨٦ ]، فحيثما وردت في القرآن فيقدر له " اذكر "، والاستثناء متصل ؛ إذا قلنا إبليس من الملائكة، ومنقطع ؛ إذا قلنا من الجن. والله تعالى أعلم.
يقول الحقّ جلّ جلاله : واذكر إِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ، لما تبينت فضيلة، آدم أمرهم بالسجود، فقال لهم : اسْجُدُوا لآدَمَ سجود انحناء، فَسَجَدُوا كلهم، لأنهم شهدوا الجمع ولم يشهدوا الفرق، فرأوا آدم قِبْلَةً، أو نوراً من أنوار عظمته، إلاَّ إِبْليسَ أي : امتنع ؛ حيث نظر الفرق بحكمة الواحد القهار، فاستكبر وكان من جملة الْكَافِرِينَ . وكفره باعتراضه على الله وتسفيه حكمه، لا بامتناعه ؛ إذ مجرد المعصية لا تكفر. والله تعالى أعلم.
الإشارة : إذا كمل تصفية الروح، وظهر شرفها، خضع لها كل شيء، وتواضع لها كل شيء، وانقاد لأمرها من سبقت له العناية، وهبت عليه ريح الهداية، لأنها صارت آدم الأكبر، إلا من إبلسته المشيئة، وطردته القدرة، فاستكبر عن تحكيم جنسه على نفسه، وكان من الكافرين لوجود الخصوصية، جزاؤه حرمان شهود طلعة الربوبية، وهبوطه إلى حضيض العمومية.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي