وقوله : اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ [ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ]...
المعنى لا تنسَوْا نعمتي، لتكن منكم على ذُكْر، وكذلك كل ما جاء من ذكر النعمة فإن معناه - والله أعلم - على هذا : فاحفظوا ولا تَنْسَوا. وفي حرف عبد الله : " ادَّكِروا ". وفي موضع آخر : " وتَذَكَّروا ما فيه ". ومثله في الكلام أن تقول : " اذكُرْ مَكاني مِنْ أبيك ".
وأما نصب الياء من " نِعْمَتِي " فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان : الإرسالُ والسّكون، والفتح، فإذا لَقيتْها ألفٌ ولام، اختارت العربُ اللغة التي حرّكت فيها الياء وكرِهوا الأخرى ؛ لأن اللاّم ساكنة فتسقط الياء عندها لسكونها، فاستقبحوا أن يقولوا : نعمتِي التي، فتكونَ كأنها مخفوضة على غير إضافة، فأخذوا بأوثق الوجهين وأبينهما. وقد يجوز إسكانها عند الألف واللام ؛ وقد قال الله : يا عِبَادِي الّذِيِنَ أَسْرَفُوا على أَنْفُسِهِمْ فقرئت بإِرسال الياء ونصبها، وكذلك ما كان في القرآن مما فيه ياء ثابتة ففيه الوجهان، وما لم تكن فيه الياء لم تنصب.
وأما قوله : فَبَشِّرْ عِبَادِ. الّذِيِنَ يَسْتمِعُونَ الْقَوْلَ . فإن هذه بغير ياء، فلا تنصب ياؤها وهي محذوفة ؛ وعلى هذا يقاس كل ما في القرآن منه.
وقوله : فما آتَانِي اللّهُ خَيْرٌ مِما آتَاكُمْ زعم الكسائي أن العرب تستحبُّ نصب الياء عند كل ألف مهموزة سوى الألف واللام، مثل قوله : إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على اللّهِ و إِنِّي أَخَافُ اللّهَ . ولم أر ذلك عند العرب ؛ رأيتهم يرسلون الياء فيقولون : عندِي أبوك، ولا يقولون : عندي أبوك بتحريك الياء إلا أن يتركوا الهمز فيجعلوا الفتحة في الياء في هذا ومثله. وأما قولهم : لِي ألفان، وبِي أخواك كفيلان، فإنهم ينصبون في هذين لقلتهما، [ فيقولون : لي أخواك، ولِيَ ألفان، لقلتهما ] والقياس فيهما وفيما قبلهما واحد.
معاني القرآن
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء