ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

ولما ذكر الله تعالى دلائل التوحيد والنبوة وخاطب الناس عامة وعد إنعاماته العامة، خاطب بني إسرائيل خاصة وذكَّرهم النعماء التي اختصت بهم لأن السورة مدنية وكان غالب الخطاب في المدينة مع اليهود لأنهم كانوا أهل علم والناس تبع لهم فلو اعترفوا بالنبوة اعتراف غيرهم بتقليدهم وكان حجة على غيرهم. فقال : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ أي أولاده، والابن من البناء لأنه مبنى أبيه ولذلك ينسب المصنوع إلى الصانع، ويقال أبو الحرب وبنت فكر، وإسرائيل لقب يعقوب عليه السلام ومعناه بالعبرية عبد الله وايل هو الله، وقيل صفوة الله، وقرأ أبو جعفر إسرائيل بغير همزة اذكروا احفظوا، والذكر يكون بالقلب وباللسان فإنه دليل على ذكر القلب، وقيل : اشكروا لأن في الشكر ذكرا، قال الحسن : ذكر النعمة شكرها نعمتي لفظها واحد معناها جمع.
التي أنعمت عليكم قيد النعمة بهم حتى يحملهم على الرضاء والشكر، وأما النعمة على غيرهم فقد يوجب الغيرة والحسد، قال قتادة : هي النعم التي خصت بها بنوا إسرائيل من فلق البحر وأنجائهم من فرعون بإغراقه وتظليل الغمام في التيه، وإنزال المن والسلوى وبعث الأنبياء فيهم، وجعلهم ملوكا وإنزال التوراة وغيرها، وقال غيره : هي جميع النعم على العباد.
وأوفوا بعهدي بالإيمان والطاعة أوف بعهدكم بالإثابة، والعهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد، ولعل أولا أضاف إلى الفاعل وثانيا إلى المفعول فإن الله تعالى عهد إليهم بالإيمان ووعدهم بالثواب، أو في كليهما أضاف إلى المفعول أي أوفوا بما عاهدتموني أوف بما عاهدتكم. أخرج ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس قال : أوفوا بعهدي في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم أوف بعهدكم في رفع الآصار والأغلال، قال البغوي : قال الكلبي : عهد الله إلى بني إسرائيل على لسان موسى إلى باعث في بني إسماعيل نبيا أميا فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين وهو قوله : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتو الكتاب ١ يعني في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، قلت : وهذا قوله تعالى في جواب ما قال موسى : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإنني ٢ إلى قوله : إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون و يؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ٣ الآية، وقال قتادة ومجاهد : أراد بها ما ذكر في المائدة : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا إلى أن قال : لأكفرن عنكم سيئاتكم ٤ الآية، وقال الحسن : هو قوله : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ٥ فهو شريعة التوراة، قلت : وإن هذين القولين راجعان إلى ما قال ابن عباس والكلبي فإن في الأول : وءامنتم برسلي وعزرتموهم ٦ وكذلك شريعة التوراة حاكمة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وإلا فهي منسوخة.
وَإِيَّايَ منصوب بفعل مقدر بعده يفسره فَارْهَبُونِ فخافون في نقض العهد وفي كل فعل وترك، والرهبة خوف معه تحرز، وهذا آكد في إفادة التخصيص من إياك نعبد لما فيه من تقديم المفعول وتكريره وتكرير الفعل تقديرا أو لفظا والفاء الجزائية، تقدير الكلام إن كنتم راهبين فإياي ارهبوا فارهبوني، والآية متضمنة للوعد والوعيد دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد وأن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحدا إلا الله. أثبت يعقوب الياآت المحذوفة في الخط مثل : فَارْهَبُونِ فَاتَقُونِ واخْشَوْنِ كلها وجملتها إحدى وستون ياء لا غير وأثبت نافع رواية ورش منها في الوصل سبعا وأربعين وفي رواية قالون عشرين، واختلف عن قالون في اثنين وهما التَّلاَقِ و التَناد في غافر وأثبت ابن كثير في الوصل والوقف إحدى وعشرين واختلف عنه ست وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ في إبراهيم يَدْعُ الدَّاعِ في القمر بالوَادِ و أَكْرَمَنِ و أَهَانَنِ في الفجر فأثبت الخمس البزي في الحالين، وأثبت قنبل إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ في يوسف في الحالين وبالواو في الفجر في الوصل فقط وفيه خلاف عنه وأثبت أبو عمرو من ذلك في الوصل خاصة أربعا وثلاثين وخير في أكرمن و أهنن وأثبت الكسائي ياءين يوم يأْتِ في هود و ما كنا نبغ في الكهف لا غير، وأثبت حمزة في الوصل خاصة وتقبَّلْ دُعاءِ في إبراهيم، وفي الحالين أتُمِدُّونَنِ في النمل لا غير وحذف كلهن عاصم، واختلف عنه في يائين في النمل فما ءاتنيَ الله فتحها حفص في الوصل وأثبتها ساكنة في الوقف وفي الزخرف يَاعِبَادِ لاَ خَوْفٌ فتحها أبو بكر في الوصل وأسكنها في الوقف وشعبة بحذف الأولى كحفص في الأخرى، وأثبت ابن عامر في رواية هشام ثم كيدون في الأعراف وفي رواية ابن ذكوان في الكهف فلا تسألن وسيأتي جميع ما ورد من ذلك الاختلاف في أماكنها إن شاء الله تعالى.

١ سورة آل عمران، الآية: ١٨٧.
٢ سورة الأعراف، الأية: ١٥٥.
٣ سورة الأعراف، الآية: ١٥٦-١٥٧.
٤ سورة المائدة، الآية: ١٢.
٥ سورة البقرة، الآية: ٦٣.
٦ سورة المائدة، الآية: ١٢.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير