ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

قوله - عز وجل -:
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
الآية: (٤٠) - سورة البقرة.
الابن: من البناء، وسمي بذلك لكونه كالمبنى لأبيه، وكل مصنوع ينسب إلى صانعه وآلته، فيقال هو ابنه، وللصانع يقال: هو أبوه، وعلى هذا يقال: فلان ابن الحرب، وأبو الحرب، وبتسمية الصانع أباً للمصنوع، والمصنوع ابناً للصانع أطلق على ما جكى في شريعة من تقدمنا " أبناء الله "، ثم تصور ذلك الجهلة والأغبياء معنى الولادة، فحظر إطلاق ذلك حتى صار التفوه به يعد كفراً، والوفاء مراعة العهد، والغدر تضييعه، كما أن الإنجاز مراعاة الوعد، والإخلاف تضييعه، الوفاء والإنجاز في الفعل كالصدق في المقال.
والعذر والاخلاف كالكذب فيه، وقيل: وفي وأوفى بمعنى، والصحيح أن أوفى أبلغ من وفي، كما أن: أسقى " أبلغ من " سقى "، والخطاب وإن كان لبني إسرائيل لقولهم مقصودين بالتبكيت لنسيانهم نعم الله تعالى وكون نعمته عليهم أظهر، فالناس طراً يشاركونهم في وجوب ذكر نعمة عليهم، وقد تقدم ذكر تفاصيل النعم، وإن قيل: ما فائدة تقييد النعمة بقوله: أنعمت عليكم؟ قيل: نظر الإنسان إلى نعم الله ضربان، أحدهما: نظره إلى نهمة الله تعالى التي [تختص به من نفسه دون ما اختص به غيره] وذلك يفيده رضاً عن النعم وشكراً له ومعرفة ما على غيره من النعم، والثاني: نظره إلى نعمة الله على غيره ونسيان ما قد خص به في نفسه، وذلك يجلب إليه سخطاً على ربه، وكفراناً لآلائه، وحسداً على عباده، ولهذا قيل:
" انظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فذلك أجدر أن لا تزرى بنعمة ربك ".

صفحة رقم 167

وعهود الله كثيرة، بعضها مرتب على البعض، والوفاء بكل واحد مقابلة، فأول منزلته إظهار الشهادتين ويقابله من الله تعالى حقن الدماء والأموال كما قال - عليه السلام " من قال: لا إلله إلا الله فقد عصم مني ماله ودمه ".
وآخره ما كان من أولياء الله في حفظ النظرات والخطرات، ويقابله من الله تعالى: (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، وبينهما وسائط كثيرة لها من الله تعالى مقابلات، ولما كان من مبدئه إلى منتهاه عرضاً كثيراً نظر كل واحد من المفسرين للآية نظراً ما صارت به أقوالهم مختلفة في الظاهر بحسب اختلاف نظراتهم، فروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن الإشارة بذلك إلى قوله تعالى:
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ
وروي عنه " أوفوا بعهدي " في اتباع محمد أوفِ بعهدكم في رفع الإصر والأغلال التي في أعناقكم "
وقيل: أوفوا بعهدي في ترك الكبائر أوفِ بعهدكم في غفران الصغائر، وقيل: أوفوا بعهدي في أداء الفرائض أوفِ بعهدكم في الإثابة عليها)، وقيل: (أوفوا بعهدي في الاهتداء إلى طريق الاستقامة أوفِ بعهدكم في الزيادة في الاهتداء وإيتاء الاتقاء - إشارة إلى ما قال:
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ، وهذه الأوقايل اختلفت إما بحسب اختلاف النظرات، أو بحسب اختلاف العبارات، وفيما بين من الأصل معرفة نظر الكل، وإن عامة أقوالهم لا

صفحة رقم 168

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية