ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

وأما قوله يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فمن العرب من يهمِزُ ومنهم من لا يهمز. ومنه من يقول إسرَائِل يحذف الياء التي بعد الهمزة ويفتح الهمزة ويكسرها.

باب المجازاة.


فأما قوله وَأَوْفُواْ [ ٣٤ب ] بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فإنما جزم الآخر لأنه جواب الأمر، وجواب الأمر مجزوم مثل جواب ما بعد حروف المجازاة، كأنه تفسير " إنْ تَفْعلوا " أُوفِ بَعَهْدِكُم وقال في موضع آخر ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ وقال فَذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ فلم يجعله جوابا، ولكنه كأنهم كانوا يلعبون فقال " ذَرْهُم في حال لعبهم " وقال ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ وليس من أجل الترك يكون ذلك، ولكن قد علم الله انه يكون وجرى على الإعراب كأنه قال : " إنْ تركتهم أَلْهاهُم الأمل " وهم كذلك تركهم أو لم يتركهم. كما أن بعض الكلام يعرف لفظه والمعنى على خلاف ذلك، وكما أن بعضهم يقول : " كَذَبَ عليكُمُ الحجّ ".
ف " الحجُّ " مرفوع وإنما يريدون أن يأمروا بالحج. قال الشاعر :[ من الكامل وهو الشاهد الثامن والأربعون ] :
كَذَبَ العتيقُ وماءُ شنٍّ باردٍ إن كنتِ سائِلتي غَبوقاً فاذْهَبي
وقال :[ من الوافر وهو الشاهد التاسع والأربعون ] :
وذُبْيانِيةٌٍ توصي بينها أَلا كَذَبَ القراطِفُ والقُروفُ
قال أبو عبد الله : " القَراطِفُ "، واحدها " قَرْطَفٌ " : وهو كل ما له خَمَلٌ من الثياب. و " القُروفُ "، واحدها " قَرْفٌ " : وهو وعاءٌ من جلود الإبل [ ٣٥ء ] كانوا يَغَلون اللحم ويحملونه فيه في أسفارهم ". ويقولون " هذا جُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ " والخرب هو الجُحْرُ. ويقولون، [ أحدهم ] : " هذا حبُّ رُمّاني ". فيضيف الرُمّان إليه وإنما له الحبّ وهذا في الكلام كثير.
وقوله قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ و وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فأجراه على اللفظ حتى صار جوابا للأمر. وقد زعم قوم أن هذا إنما هو على " فَلْيَغْفِروا " و " قُلْ لَعِبادي فَليَقولوا " وهذا لا يضمر كله يعني الفاء واللام. ولو جاز هذا [ لَ ] جاز قول الرجل : " يَقُمْ زَيْدٌ "، وهو يريد " لَيَقُمْ زَيْدٌ ". وهذا الكلمة أيضاً أمثل لأنك لم تضمر فيها الفاء مع اللام.
وقد زعموا أن اللام قد جاءت مضمرة، قال الشاعر :[ من الوافر وهو الشاهد الخمسون ] :
مُحَمَّدُ تَفْد نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذا ما خِفْتَ من شَيْءٍ تَبالا
يريد : " لِتَفْدِ "، وهذا قبيح. وقال : " تَقِ اللّهَ امرُؤٌ فعل كذا وكذا " ومعناه : " ليَتَّق اللّهَ ". فاللفظ يجيء كثيرا مخالفاً للمعنى. وهذا يدل عليه. قال الشاعر في ضمير اللام :[ من الطويل وهو الشاهد الحادي والخمسون ] :
على مثلِ أصحاب البعوضَةِ فَاخمِشي لكِ الويلُ حُرَّ الوَجْهِ أو يَبْكِ من بكى
يريد " ليبكِ مَنْ بكى " فحذف [ ٣٥ب ] وسمعت من العرب من ينشد هذا البيت بغير لام :[ من الطويل وهو الشاهد الثاني والخمسون ] :
فَيَبْكِ على المِنْجابِ أضيافُ قَفْرةٍ سَرَوْا وأُسارى لم تُفَكَّ قيودُها
يريد : " فَلْيَبْكِ " فحذف اللام.

باب تفسير أنا وأنت وهو


وأما قوله وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ و ] وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [ ٤١ ] فقال وَإيّايَ وقد شغلت الفعل بالاسم المضمر الذي بعده الفعل. لأن كل ما كان من الأمر والنهي في هذا النحو فهو منصوب نحو قولك : " زيداً فَاضْرِبْ أَخاهُ ". لأن الأمر والنهي مما يضمران كثيراً ويحسن فيهما الإضمار، والرفع أيضا جائز على أن لا يضمر. قال الشاعر :[ من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون ] :
وقائِلَةٍ خولانَ فانكَحْ فتاتَهُمْ وأُكْرومَةُ الحَيَّيْنِ خِلّوُكما هِيا
وأما قوله الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا [ و ] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا فزعموا - والله أعلم - إن هذا على الوحي، كأنه يقول " ومِمّا أَقُصُّ عليكمُ الزانيةُ والزاني، والسارقة والسارقُ ". ثم جاء بالفعل من بعد ما اوجب الرفع على الأول على الابتداء وهذا على المجاز كأنه قال " أمرُ السارقِ والسارِقة وشأنُهما مما نَقُصَّ عليكم " [ ٣٦ء ] ومثله قوله مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ثم قال فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ كأنه قال : " وَمِمّا أقُصُّ عليكُمْ مَثَلُ الجنة " ثم أقبل يذكر ما فيها بعد أن اوجب الرفع في الأول على الابتداء. وقد قرأها قوم نصبا إذ كان الفعل يقع على ما هو من سبب الأول، وهو في الأمر والنهي. وكذلك ما وقع عليه حرف الاستفهام نحو قوله أَبَشَرَاً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُه . وإنما فُعِلَ هذا في حروف الاستفهام لأنه إذا كان بعده اسم وفعل كان أحسن أن يبتدئ بالفعل قبل الاسم، فان بدأت بالاسم أضمرت له فعلا حتى تحسن الكلام به وإظهار ذلك الفعل قبيح.
وما كان من هذا في غير الأمر والنهي والاستفهام والنفي فوجه الكلام فيه الرفع، وقد نصبه ناس من العرب كثير. وهذا الحرف قد قرئ نصباً ورفعا وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ .
وأما قوله إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ فهو يجوز فيه الرفع وهي اللغة الكثيرة غير أن الجماعة اجتمعوا على النصب، وربما اجتمعوا على الشيء كذلك مما يجوز والأصل غيره. لأن قولك : " إنّا عَبدُ اللّهِ ضَرَبْناهُ ". مثل قولك : " عبدُ اللّهِ ضَرَبْناهُ " لان معناهما في الابتداء سواء. قال الشاعر [ من المتقارب وهو الشاهد الرابع والخمسون ] :
[ ٣٦ب ] فأَمّا تَمِيمٌ تَميمُ بنُ مُرٍّ فأَلْفاهُمُ القومُ رَوْبى نِياما
وقال [ من الطويل وهو الشاهد الخامس والخمسون ] :
إذا ابنُ أبي مُوسى بلالٌ بلغتِهِ فقامَ بفأسٍ بينَ وَصْلَيكِ جازِرُ
ويكون فيهما النصب. فمن نصب وأَما ثَمُودَ نصب على هذا.
وأما قوله يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ وقوله أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ثم قال وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا وقال الرحمن[ ١ ] عَلَّمَ الْقُرْآنَ [ ٢ ] خَلَقَ الإِنسَانَ [ ٣ ] عَلَّمَهُ البَيَانَ ثم قال وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ وقال وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً فهذا إنما ينصب وقد سقط الفعل على الاسم بعده لأن الاسم الذي قبله قد عمل فيه فأضمرت فعلا فأعملته فيه حتى يكون العمل من وجه واحد. وكان ذلك أحسن قال [ الشاعر ] :[ من الوافر وهو الشاهد السادس والخمسون ].
نغالي اللحمَ للأضيافِ نَيْئاً ونُرْخِصُه إذا نَضِجَ القُدورَ
يريد " نُغالي باللحم " فان قلت يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ ليس بنصب في اللفظ فهو في موضع نصب قد عمل فيه فعل كما قلت : " مررت بزيدٍ وعَمْراً ضربتُه، كأنك قلت : " مررت زيداً " وقد يقول هذا بعض الناس. قال الشاعر :[ من المنسرح وهو الشاهد السابع والخمسون ] :
أَصبحتُ لا أَحْمِلُ السلاحَ ولا آمِلْكُ رأسَ البعيِرِ إنْ نَفَرا
والذيبَ أخشاهُ إنْ مَرَرْتُ بهِ وَحدِي وأَخشى الرياحَ والمَطَرا
[ ٣٧ء ] وكلُّ هذا يجوز فيه الرفع على الابتداء والنصب أجود وأكثر.
وأما قوله يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ فإنما هو على قوله " يَغْشى طائفةً منكم وطائفةٌ في هذهِ الحال ". [ و ] هذه واو ابتداء لا واو عطف، كما تقول : " ضربتُ عبْدَ اللّهِ وزيدٌ قائم ". وقد قرئت نصبا لأنها مثل ما ذكرنا، وذلك لأنه قد يسقط الفعل على شيء من سببها وقبلها منصوب بفعل فعطفتها عليه وأضمرت لها فعلها فنصبتها به. وما ذكرنا في هذا الباب من قوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا [ وقوله ] الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ ليس في قوله فَاقْطَعُواْ و فَاجْلِدُواْ خبر مبتدأ لان خبر المبتدأ هكذا لا يكون بالفاء. [ ف ] لو قلت " عبدُ اللّهِ فَيَنْطَلِقُ " لم يحسن. وإنما الخبر هو المضمر الذي فسرت لك من قوله " ومما نقص عليكم " وهو مثل قوله :[ من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون ] :
وقائلةٍ خولانُ فانكحْ فتاتَهُم [ وأكرومةُ الحَيَّيْنِ خلوٌ كَما هِيا ]
كأنه قال : " هؤلاءِ خَولانُ " كما تقول : " الهلالُ فانظرْ إليه " كأنك قلت : " هذا الهلالُ فانظُر إليه " فأضمر الاسم.
فأما قوله وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فقد يجوز أن يكون هذا خبر المبتدأ، لان " الذي " إذا كان صلته فعل جاز أن يكون خبره بالفاء نحو قول الله عز وجل إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [ ٣٧ب ] ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ثم قال فَأُوْلئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ .

معاني القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الأخفش

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير