ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا١ رجلٌ رجلٌ، ينظر٢ بعضهم إلى بعض : كيف يحيون ؟ قال : فذلك قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
وقال الربيع بن أنس : كان موتهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال : لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحَرّق العجل وذَرّاه في اليم، اختار موسى منهم سبعين٣ رجلا الخَيِّرَ فالخير، وقال : انطلقوا إلى الله وتوبوا إلى الله مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء٤ لميقات وقَّتَه له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعِلْم، فقال له السبعون، فيما ذكر لي، حين صنعوا ما أمروا به وخرجوا للقاء الله، قالوا : يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال : أفعل. فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم : ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله٥ وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه٦ بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا٧ فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه : افعل ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فأخذتهم الرجفة٨، وهي الصاعقة، فماتوا جميعًا. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ [ وَإِيَّايَ ] ٩ [ الأعراف : ١٥٥ ] قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا ؟ أي : إن هذا لهم هلاك. اخترتُ منهم سبعين رجلا الخَيِّر فالخير، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد ! فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا ؟ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [ الأعراف : ١٥٦ ] فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل، ويطلب إليه حتى ردّ إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال : لا ؛ إلا أن يقتلوا أنفسهم١٠.
هذا سياق محمد بن إسحاق.
وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير : لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عَينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا. وساق البقية.
[ وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً والمراد السبعون المختارون منهم.
ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب فخر الدين الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين : أنهم بعد إحيائهم قالوا : يا موسى، إنك لا تطلب من الله شيئا إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك فأجاب الله دعوته، وهذا غريب جدا، إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون ثم يوشع بن نون، وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عز وجل، فإن موسى الكليم، عليه السلام، قد سأل ذلك فمنع منه فكيف يناله هؤلاء السبعون ؟
القول الثاني في الآية ]١١ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية : قال لهم موسى - لما رجع من عند ربه بالألواح، قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم، فقال : إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه١٢ أمركم الذي أمركم به ونهيكم الذي نهاكم عنه. فقالوا : ومن يأخذه بقولك أنت ؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول : هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى ! وقرأ قول الله : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً قال : فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال : ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله : ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله. فقالوا : لا فقال : أي شيء أصابكم ؟ فقالوا : أصابنا أنا متنا ثم حَيِينا. قال١٣ : خذوا كتاب الله. قالوا : لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم.
[ وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا. وقد حكى الماوردي في ذلك قولين : أحدهما : أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق، والثاني : أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف، قال القرطبي : وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم ؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلفون وهذا واضح، والله أعلم ]١٤.

١ في جـ، ط، ب: "وعاش"..
٢ في جـ، ط، ب: "فنظر"..
٣ في جـ: "سبعون" وهو خطأ..
٤ في جـ: "الطور سينين"..
٥ في جـ: "كلمه ربه"..
٦ في جـ: "دونهما"..
٧ في جـ: "سجدا"..
٨ في ط: "الصاعقة"..
٩ زيادة من جـ، ط، أ، و..
١٠ تفسير الطبري (٢/٧٧)..
١١ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
١٢ في جـ: "فيها كتاب الله الذي".
.

١٣ في جـ: "فقال"..
١٤ زيادة من جـ، ط، أ، و..

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية