والرابع: أنهم قالوا: حبة حنطة مثقوبة فيها شعيرة سوداء، قاله السدي عن أشياخه.
والخامس: أنهم قالوا: سنبلاثا، قاله أبو صالح.
فاما الرجز فهو العذاب، قاله الكسائي وأبو عبيدة والزّجّاج. وأنشدوا لرؤبة:
| كم رأينا في ذي عديد مبزي | حتى وقمنا كيده بالرجز «١» |
[سورة البقرة (٢) : آية ٦٠]
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)
قوله تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ. استسقى بمعنى: استدعى ذلك، كقولك: استنصر.
وفي «الحجر» قولان: أحدهما: أنه حجر معروف عين لموسى، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة، وعطية، وابن زيد، ومقاتل، واختلفوا في صفته على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان حجراً مربعاً، قاله ابن عباس. والثاني: كان مثل رأس الثور، قاله عطية. والثالث: مثل رأس الشاة، قاله ابن زيد. وقال سعيد بن جبير: هو الذي ذهب بثياب موسى. فجاءه جبريل فقال: إن الله تعالى يقول لك: ارفع هذا الحجر، فلي فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فكان اذا احتاج إلى الماء ضربه. والقول الثاني: أنه أمر بضرب أي حجر كان، والأول أثبت.
قوله تعالى: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ. تقدير معناه: فضرب فانفجرت، فلما عرف بقوله: «فانفجرت» أنه قد ضرب، اكتفى بذلك عن ذكر الضرب، ومثله: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ «٢»، قاله الفراء.
ولما كان القوم اثني عشر سبطا، أخرج الله لهم اثني عشرة عينا، ولأنه كان فيهم تشاحن فسلموا بذلك منه. قوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا. العثو: أشد الفساد، يقال: عثي، وعثا، وعاث. قال ابن الرقاع:
| لولا الحياء وأن رأسي قد عثا | فيه المشيب لزرت أمّ القاسم |
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)
قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ، هذا قولهم في التّيه، وعنوا بالطعام
(٢) الشعراء: ٦٣.
الواحد: المن والسلوى. قال محمد بن القاسم: كان المن يؤكل بالسلوى والسلوى بالمن، فلذلك كانا طعاماً واحداً. والبقل هاهنا: اسم جنس، وعنوا به: البقول، وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: تذهب العامة إِلى أن البقل: ما يأكله الناس خاصة دون البهائم من النبات الناجم الذي لا يحتاج في أكله إلى طبخ، وليس كذلك إِنما البقل: العشب، وما ينبت الربيع مما يأكله الناس والبهائم، يقال: بقلت الأرض، وأبقلت، لغتان فصيحتان: إذا أنبت البقل. وابتقلت الإبل وتبقّلت: إذا رعت. قال أبو النجم يصف الإبل:
| تبقلت في أول التبقل | بين رماحي مالك ونهشل |
اختبزوا لنا. والثاني: أنه الثوم، وهو قراءة عبد الله وأبيّ: «وثومها» واختاره الفراء، وعلل بأنه ذكر مع ما يشاكله، والفاء تبدل من الثاء، كما تقول العرب: الجدث، والجدف: للقبر، والأثافي والأفافي:
للحجارة التي توضع تحت القدر. والمغاثير والمغافير: لضرب من الصمغ. وهذا قول مجاهد، والربيع بن أنس، ومقاتل، والكسائي، والنضر بن شميل وابن قتيبة. والثالث: أنه الحبوب، وذكره ابن قتيبة والزجاج.
قوله تعالى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى، أي: أردأ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، أي: أعلى، يريد: أن المن والسلوى أعلى ما طلبتم. قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً فيه قولان:
أحدهما: أنه اسم لمصر من الأمصار غير معين، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وإنما أمروا بالمصر، الذي طلبوه في الأمصار.
والثاني: أنه أراد البلد المسمى بمصر. وفي قراءة عبد الله والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش «مصر» بغير تنوين، قال أبو صالح عن ابن عباس: أراد مصر فرعون، وهذا قول أبي العالية والضحاك، واختاره الفراء، واحتج بقراءة عبد الله. قال: وسئل عنها الأعمش، فقال: هى مصر التي عليها صالح بن علي «٢». وقال مفضل الضبي «٣» : سميت مصراً، لأنها آخر حدود المشرق، وأول حدود المغرب، فهي حد بينهما. والمصر: الحد. وأهل هجر يكتبون في عهدهم: اشترى فلان الدار بمصورها، أي:
بحدودها. وقال عدي:
| وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به | بين النهار وبين الليل قد فصلا |
(٢) هو أول من ولي مصر من قبل أبي العباس السفاح سنة ١٣٣ هـ. وفي بعض النسخ «سليمان بن علي» خطأ.
(٣) هو المفضل بن محمد بن يعلى، أبو العباس، عارف بالأدب والشعر، توفي سنة ١٦٨.
زاد المسير في علم التفسير
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي
عبد الرزاق المهدي