ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

ختم الله على قلوبهم فلا تعي خيرا، والقلب : هو المضغة وقد يطلق على المعرفة العقل قال الله تعالى : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ١ اعلم أن الله تعالى خالق الأشياء كلها أعراضها وجواهرها، والأسباب أسباب عادية يخلق الله تعالى عقييها المسببات فالله سبحانه بعد استعمال الحواس من السمع والبصر وغيرهما يخلق علما بالمحسوسات وبعد استعمال الذهن في ترتيب المقدمتين يخلق علما بالنتيجة جريا على عادته، ولو شاء لا يخلق ويتعطل الحواس ويتخبط الذهن، ولو شاء يحصل العلم بالمحسوس ولا يفيد ذلك العلم أثرا في القلب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء » ثم قال :«اللهم مصرف القلوب صرف قلبنا على طاعتك »٢ رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو. فالله سبحانه لما لم يرد أن يطهر قلوب الكفار صرفهم عن التفكر في الآيات ولم يخلق في قلوبهم تأثرا بالإيمان واليقين بعد رؤية الآيات والمعجزات وعبر عن ذلك وعدم التأثر بالختم والطبع والإغفال والإقساء والغشاوة مجازا، أو مثل قلوبهم ومشاعرهم بأشياء ضرب عليها الحجاب، أو يقال إن المراد بالختم ما يخلق الله تعالى من السواد على القلوب باقتران المعاصي، روى البغوي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلكم الران الذي ذكر الله في كتابه : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ٣ قلت : وسواد القلب المذكور هو المعبر فيما مر من الحديث بفاسد القلب حيث قال :«وإذا فسدت فسد الجسد » وهو ضد صلاح القلب، ولما كان حال ذنب المؤمن كذلك فما بال الكافر، وعبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع والإغفال والإفساد ونحوها، والختم : في اللغة الكتم، سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له، والبلوغ آخره سمي به نظرا إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه.
وعلى سمعهم أي أسماعهم، وحده للأمن عن اللبس واعتبار الأصل فإنه مصدر في أصله والمصادر لا تجمع، معطوف على قلوبهم لقوله تعالى : وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ٤ ولما كان درك السمع والقلب من جميع الجهات جعل مانعهما من جنس واحد وهو الختم بخلاف البصر فإنه مختص بالمقابلة فجعل مانعها الغشاوة المختصة بجهة المقابلة وعلى أبصارهم غشاوة جمع بصر وهو إدراك العين، وقد يطلق مجازا على القوة الباصرة وعلى العضو وكذا السمع. أمال أبو عمرو والدوري عن الكسائي كل ألف بعده راء مجرور في لام الفعل نحو : وعلى أبصارِهِمْ وصلا ووقفا وكذا آثارهم –والنار- وبقِنْطَارٍ- وبدينارٍ- والأبرَارِ- وشبهه وتابعهما أبو الحارث فيما تكررت فيه الراء من ذلك الأشرارِ- الأبرارِ وقرأ ورش كل ذلك بين بين وتابعه حمزة فيما كان الراء فيه مكررا وعلى قوله القهَّارِ حيق وقع و دارَ البُوَارِ لا غير- وأمال ابن ذكوان إلى حِمَارِكَ والحِمَارِ في البقرة والجمعة لا غير. والغِشَاوَةُ : ما يشتمل على الشيء فيغطيه مرفوع على أنه مبتدأ أو فاعل للظرف.
ولهم عذاب عظيم في الآخرة، والعذاب : من أعذب الشيء إذا أمسك أي عقابا يمنع الجاني عن المعاودة ثم اتسع فأطلق على كل ألم وإن لم يكون عقابا مانعا، وقيل : من التعذيب بمعنى إزالة العذب، والعظيم ضد الحقير يعني إذا قيس مع ما يجانسه قصر عنه جميعه.

١ سورة ق، الآية: ٣٧.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب: تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء ٢٦٥٤.
٣ سورة المطففين، الآية: ١٤.
٤ سورة الجاثية، الآية: ٢٣.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير