( ٦ ) إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( ٧ ) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم .
قال الأستاذ : كان الذي تقدم بيانا من الله تعالى لصنفين من الناس لهم في القرآن هداية ولنفوسهم إلى الاهتداء به انبعاث ( الأول من الصنفين ) أولئك الذين ببلغهم لأول مرة، وهم ممن يخشى الله ويهاب سلطانه، وفي أصول اعتقادهم الإيمان بما وراء الحس على ما تقدم ( والثاني ) أولئك الذين آمنوا بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله [ وهذا الصنف قد يجتمع مع الذي قبله فيمن كانوا متقين مؤمنين بالغيب، ثم آمنوا بالنبي وبما جاء به، وقد يفترق الصنفان فيمن بقي إلى اليوم لم تبلغه الدعوة، وهو على تلك الأوصاف، ومن ولد من آباء مؤمنين ثم صدق إيمانه بعد أن بلغ رشده وملك عقله ].
أما هاتان الآيتان فقد بينتا حال طائفة ثالثة من الناس، وهم الكافرون، ثم يبين قوله تعالى ومن الناس من يقول الخ حال طائفة أخرى أخص منها وهم المنافقون، الذين يظهر من أقوالهم وفي بعض أفعالهم أنهم مؤمنون، ولكنهم في حقيقة أمرهم كافرون، بل شر من الكافرين [ فهذه أقسام أربعة ينقسم إليها الناس إذا بلغهم القرآن ونظروا فيه، ودعوا إلى الإيمان به والأخذ بهديه ].
بين الله تعالى لنبيه أنه إذا كان يوجد في الناس من لا يؤمن بالقرآن فليس هذا عيبا وتقصيرا في هداية الكتاب، وإنما العيب فيهم لا في الكتاب، لأنه هداية كسائر الهدايات الطبيعية التي أعرض الناس وعموا عنها [ كهداية العقل والسمع والبصر ونحوها مما أكرم الله به هذا النوع البشري، وقد يحكم الرجل بأن في العمل مضرة تلحق به، ومع ذلك يعدل عن حكمه انتهازا للذة زينها له حسه أو همه ؛ ويأتي ذلك العمل على ما يعلم من سوء مغبته، فاحتقار الرجل لعقل نفسه لا يعد عيبا في تلك الموهبة الإلهية، ولا يحط من شأن النعمة فيها. أنظر إلى رجل يغمض عينيه ويمشي في طريق لا يعرفها فيسقط في حفرة وتتحطم عظامه، هل ينقص ذلك من قدر بصره، ويبخس من حق الله في الإحسان به، على هذا الذي لم يرد أن يستعمله فيما خلق له ] ففي الكلام تسلية لأهل الحق، وسيدهم هو النبي صلى الله عليه وسلم فهو تسلية له أولا وبالأول.
ثم وصف سبحانه فقدهم لهذا الاستعداد، ورسوخهم في الكفر الذي لم يبق معه محل لغيره بهذا التعبير البليغ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة .
قال الراغب : الختم والطبع يقال على وجهين : مصدر ختمت وطبعت، وهو تأثير الشيء كنقش الخاتم والطابع ( والثاني ) الأثر الحاصل عن النقش، ويتجوز بذلك تارة في الاستيثاق من الشيء والمنع منه اعتبارا بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب نحو ختم الله على قلوبهم * وختم على قلبه وسمعه - إلى أن قال – فقوله ختم الله على قلوبهم ... إشارة إلى ما أجرى الله به العادة أن الإنسان إذا تناهى في اعتقاد باطل وارتكاب محظور – ولا يكون منه تلفت بوجه إلى الحق – يورثه ذلك هيئةً تُمَرِّنُهُ على استحسان المعاصي، وكأنما يختم بذلك على قلبه. وعلى ذلك { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ) اه المراد منه.
وأقول : إن مراده أن هذا التعبير مثل لمن تمكن الكفر في قلوبهم حتى فقدوا الدواعي والأسباب التي تعطفهم إلى النظر والفكر في أدلة الإيمان ومحاسنه. ختم الله على قلوبهم فلا يدخلها غير ما رسخ فيها، وعلى أسماعهم فلا يسمعون آيات الله المنزلة سماع تأمل وتفقه. وقوله وعلى أبصارهم غشاوة جملة معطوفة على جملة ( ختم ) والغشاوة ما يغطى به الشيء، ومعنى هذه المادة : غ ش ي- التغطية. والمراد أن أبصارهم لا تدرك آيات الله المبصرة الدالة على الإيمان، فكل من الفريقين لا يرجى إيمانه وقد أسند الختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلى الله تعالى لأنه بيان لسنته تعالى في أمثالهم، وعبر عنه بالماضي للدلالة على أنه أمر قد فرغ منه، وهو لا يدل على أنهم مجبورون على الكفر، ولا على منع الله تعالى إياهم منه بالقهر، وإنما هو تمثيل لسنته تعالى في تأثير تمرنهم على الكفر وأعماله في قلوبهم بأنه استحوذ عليها وملك أمرها حتى لم يعد فيها استعداد لغيره كما تقدم مثله عن الراغب. ويوضح ما قلناه : قوله تعالى في سورة المنافقين ٦٣ : ٣ ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم وقوله في اليهود من سورة النساء ٤ : ١٥٤ فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم : قلوبنا غلف. بل طبع الله عليها بكفرهم ؛ فلا يؤمنون إلا قليلا فذكر أن الطبع على قلوبهم إنما هو بسبب كفرهم وتلك المعاصي التي أسندها إليهم وقوله تعالى في سورة الجاثية ٤٥ : ٢٢ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة – فمن يهديه من بعد الله ؟ أفلا تذكرون ؟ فقد ذكر من فعله المسند إليه أنه اتخذ إلهه هواه ومن صار هواه معبوده لا يفيد معه شيء. وقد صرح هنا بأن الغشاوة على بصره من جعل الله تعالى، ولم يصرح بذلك في آية البقرة التي نفسرها، والمعنى واحد. ولشيخنا الأستاذ الإمام دقائق في هذه التعبيرات ادخرها الله تعالى له وهي مع هذا تغنيك عن تماري الأشعرية والمعتزلة في الآيات تعصبا لمذاهبهم. قال :
يقولون : إن الختم والطبع والرين. ألفاظ تجري على شيء واحد، وهو تغطية الشيء والحيلولة بينه وبين ما من شأنه أن يدخله ويمسه، والقلوب مراد بها العقول، والمراد بالسمع الأسماع، وإفراده أن أصله مصدر ومن شأن المصادر أن لا تجمع، وقد لوحظ هنا الأصل، والأبصار العيون التي تدرك المبصرات من الأشكال والألوان.
( قال ) وأنا أرى في مسألة هذا الجمع والإفراد رأيا آخرا، إذ لو صح ما قيل فإن البصر أيضا مصدر فلماذا جمعه ؟ والذي أراه أن العقل له وجوه كثيرة في إدراك المعقولات، فليس الناس فيه سواء ؛ فجمع لاختلاف الناس فيه، وأنواع تصرفهم في وجوهه، بخلاف السمع فإن أسماع الناس تتساوى في إدراك المسموعات فلا تتشعب تشعب العقول في إدراك المعقولات. وأما الأبصار فهي مثل العقول في التشعب، وأعظم معين للعقول في إدراكها، لأن أنواع المبصرات كثيرة فتعطي للعقل مواد كثيرة، والسمع لا يدرك إلا الصوت، وليس في الكلام عند النقل طريق من طرق العلم اليقيني إلا التواتر [ بخلاف ما نقطع فيه بالضرورة من طريق العقل والبصر، فهو كثير، فالأوليات١ كالحكم بأن الجزء أصغر من الكل وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، والقضايا التي قياساتها معها٢ - من المعقولات المحضة. والتجربيات والحدسيات٣ يشترك فيها العقل والبصر، والقسم الأعظم من المشاهدات سبيل الإدراك فيه البصر. فالعقول والأبصار بمنزلة ينابيع كثيرة تنبجس من كل منها عيون للعلم مختلفة، بخلاف السمع فإنه ينبوع واحد لا اختلاف فيما يصدر عنه ] فالحاصل أن العقول والأبصار تتصرف في مدركات كثيرة فكأنها صارت بذلك كثيرة فجمعت، وأما السمع فلا يدرك إلا شيئا واحدا فأفرد.
سأله سائل : كيف هذا، وقد قالوا : إن السمع أفضل من البصر ؟ فقال : أنا لا أتكلم في التفضيل، ذلك إلى الله ورسوله، وإنما أشرح موجودا وأبين مناسبة اللفظ له، [ وإن المشاهدة قاضية بأن العقل لا منتهى لتصرفه، وبأن أقل ما قيل في البصر أنه يدرك الألوان، والأشكال، والمقادير ؛ والسمع لا يدرك إلا الأصوات فقط، كما أن الذوق لا يحس إلا بالمذوقات وحدها، وإن كان ما يصل من طريق السمع قد يتضمن حكاية عن معقول أو مبصر، ولكن وروده على الحكاية لا يغير من حقيقته، فهو معقول أو مبصر، فمن ذكر لك برهانا على حقيقة علمية فإنما تسمع منه الأصوات والحروف. وأما فهمك المقدمات ووصولك منها إلى النتائج فهو من طريق عقلك لا من طريق سمعك ؛ فإن كان حديث الأفضلية يستند إلى أن جميع المدركات قد يمكن أن يعبر عنها بالكلام – وهو مسموع – فقد بينا لك ما فيه، ويعارضه أن جميع ضروب الكلام يصح أن تكتب وطريق فهمها من الرقم إنما هو البصر، والحق أن المعول عليه في تعدد الطريق ليس ما يكون من قبيل الحكاية ؛ بل ما يكون من طبيعة القوة.
وأما انطباق الكلام على تلك الأقسام السابقة وبيان حرماتهم وكونهم كما وصفوا – فهو بالنسبة إلى الطائفة التي عاندت الحق وهي تعرفه – ظاهر لأنهم لما عاندوا الحق لأنه لم يأت على أيديهم [ فقد طبع على قلوبهم بطابع ذلك العناد نفسه، فإنه قد حيل بين عقولهم وإدراك ما يصيرون إليه بالإصرار على الباطل من ضعف أمر وفساد حال في الدنيا، وشقاء وخلود في نكال الآخرة، ثم هم قد حجبوا به عن إدراك ما يتبع ] ذلك الحق من المعارف والحقائق الأخرى ؛ فقد ختم على قلوبهم بالنسبة إلى ما حجبوا عنه.
وأما الختم على سمعهم فلأنهم صموا عن سماع الحق واستماع القول لفهمه، فمن أعرض عن فهم الحق فهو لم يسمع إلا صوتا لم ينفذ شيء من معناه إلى موضع الإدراك الحقيقي منه، فقد ختم على سمعه فلا ينفذ إليه شيء ينتفع به.
وأما الأبصار فإنما كانت عليها غشاوات عند هؤلاء الجاحدين، لأن فائدة البصر، هي التوقي من الخطر، والعبرة بما يبصر، فمن لم ينظر في الآيات الكونية التي تقع تحت بصره كل يوم كأنه لم يبصر شيئا منها، فقد ضرب على بصره بغشاوة. [ وأما بالنسبة إلى القسمين الآخرين اللذين جمعا تحت قسم واحد وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين كما سبق فالختم على القلوب والسمع والأبصار ظاهر لأنهم لم ينتفعوا بشيء من هذه القوى حتى في فهم ما يعرض عليهم، ورؤية ما يقع تحت حواسهم ] والكلام كله ضرب من التمثيل يعرفه اللسان وتعهده اللغة. والمعنى هو ما بينا والله أعلم. [ والكلام كان حديث الختم تمثيلا لفقد حقيقة الفهم والحرمان من فوائد تلك المواهب الإلهية : مواهب العقل والسمع والأبصار – كان إسناده إلى الله تأكيدا لمعنى الحرمان، وتقديرا لمصيبة الخسران، لأن ما ختم بيد الله لا تفضه يد سواه ].
وأما النكتة في استعمال الختم مع القلب والسمع، والغشاوة مع البصر ؛ فهي أن الختم من شأنه أن يكون على المكنون المستور. وهكذا موضع حس السمع، وموضع الإدراك من العقل، والإسماع في ظاهر الخلقة، وأما البصر فالحاسة منه ظاهرة منكشفة ( قال ) ومثل هذه الدقائق هي المرادة بقول صاحب التلخيص " ولكل كلمة مع صاحبتها مقام "
ولهم عذاب عظيم أقول : العذاب اسم لما يؤلم ويذهب بعذوبة الحياة من ضرب ووجع وجوع وظمأ. قال الراغب : واختلف في أصله، فقال بعضهم : هو من قولهم : عذب الرجل إذا ترك المأكل ( زاد غيره من شدة العطش ) والنوم فهو عاذب وعذوب، فالتعذيب في الأصل هو حمل الإنسان أن يعذب، أي بجوع وبسهر. وقيل : أصله من العذب، فعذبته : أزلت عذب حياته. على بناء : مرّضته وقذيته٤ وقيل أصل التعذيب إكثار الضرب بعذبة السوط أي طرفه ا ه. وقال البيضاوي العذاب كالنكال بناء ومعنى تقول أعذب عن الشيء ونكل عنه – إذا أمسك ومنه الماء العذب لأنه يقمع العطش ويردعه، ولذلك يسمى نقاحا وفراتا ثم تسع فأطلق على كل ألم فادح وإن لم يكن عقابا يردع الجاني عن المعاودة إلخ. والعظيم ضد الحقير فهو فوق الكبير الذي هو ضد الصغير. وتنكير العذاب هنا للإشارة إلى أنه نوع منه مبهم مجهول عند أهل الدنيا، بناء على أن المراد به عذاب الآخرة التي هي من عالم الغيب. وقال شيخنا تبعا للجمهور : التنكير فيه للتعظيم والتهويل ووصفه مع ذلك بعظيم يدل على أنه بالغ حد العظمة كمّا وكيفا، فهو شديد الإيلام، وطويل الزمان. وهل هذا العذاب في الدنيا أم في الآخرة ؟ قال في آية ٥ : ٤١ لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم فيؤخذ من هذه الآية من آيات أخرى أن الإعراض عن هدى الإسلام، وما أرشد إليه من إصلاح المعاش والمعاد، جزاؤه الضنك والضيق وفقد العزة والسلطة في الدنيا، والعذاب العظيم في العقبى.
وهنا سأله سائل : هل الآية نص في التكليف بالمحال ؟ فقال : لا، وأنا لا أحب أن أحشر المسائل الخلافية في تفسير القرآن بل أحب أن أبين المعنى الذي كان يفهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وما كان يخطر على بال أحد منهم التكليف بالحال. على أن الاتفاق واقع بين الأئمة بل بين الأمة على أن التكليف بالمحال غير واقع، وأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها كما صرح به الكتاب وتضافرت عليه الأحاديث النبوية، فما بقي من مواضع لا يمس نصوص الكتاب العزيز الذي ٤١ : ٤٢ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد
٢ هي ما يحكم العقل فيه بواسطة لا تغيب عن الذهن عند تصور طرفي القضية كقولنا: الأربعة زوج، بسبب وسط حاضر في الذهن وهو الانقسام بمتساويين.
٣ هي ما يحتاج العقل في الجزم بالحكم فيها إلى تكرار التجربة حتى تثبت بالمشاهدة مرة بعد أخرى. والحدسيات هي ما يجزم العقل بالحكم فيها بسبب تكرر المشاهدة، كقولنا: بخار الماء ذو قوة ضاغطة رافعة، ونور القمر مستفاد من نور الشمس، وكل هذا من إصلاح علم المنطق، ونحن نتحامى أمثال هذه الاصطلاحات فيما نقوله وفيما ننقله في التفسير ليفهمه جماهير القراء، ولكن هذا شيء كتبه شيخنا بخطه، فمن الأمانة نقله بحروفه..
٤ يقال قذيته أو قذيت عينه أي أخرجت القذى منها، فالهمزة للإزالة..
تفسير المنار
رشيد رضا