قال أبو العالية: لم يسلم منهم إلا رجلان، وكانا مغموصاً عليهما في دينهما (١)، أحدهما: أبو سفيان (٢)، والأخر: الحكم بن أبي العاص (٣). ثم ذكر الله تعالى سبب تركهم الإيمان فقال:
٧ - خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم الآية. (الختم) في اللغة بمعنى: الطبع، والخاتم: الفاعل. وأصله من آخر الشيء (٤)، ومنه قوله تعالى: خِتَامُهُ مِسْكٌ [المطففين: ٢٦]، قال ابن مسعود: عاقبته (٥) طعم المسك (٦) وروي
(٢) أبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، رأس قريش وقائدهم في يوم الأحزاب، أسلم يوم الفتح، كان من دهاة العرب، توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين. انظر ترجمته في "الإصابة" ٢/ ١٧٨ - ١٧٩، "سير أعلام النبلاء" ٢/ ١٠٥ - ١٠٧.
(٣) الحكم بن أبي العاص بن أمية، ابن عم أبي سفيان، من مسلمة الفتح، وله نصيب من الصحبة، نفاه النبي - ﷺ - إلى الطائف، وأقدمه للمدينة عثمان - رضي الله عنه - مات سنة إحدى وثلاثين. انظر ترجمته في: "الإصابة" ١/ ٣٤٥، "سير أعلام النبلاء" ٢/ ١٠٧، "الجرح والتعديل" ٣/ ١٢٠.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (ختم) ١/ ٩٨٣ - ٩٨٤، وفيه: خاتم كل شيء: آخره.
(٥) في (ج): (عاقبه).
(٦) ذكره الأزهري في "التهذيب" (ختم) ١/ ٩٨٤، وأخرج الطبري عن ابن مسعود في تفسير الآية: قال: (خلطه مسك) وعنه: (طعمه وريحه) وأخرج عن إبراهيم، والحسن: عاقبته مسك. الطبري ٣٠/ ١٠٦، ١٠٧، وفي "الدر": أخرج سعيد بن منصور، وهناد؛ وابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في "البعث"، عن ابن مسعود، وفيه: (يجدون عاقبتها طعم المسك)، ٦/ ٥٤٤.
عن الحسن: مقطعه مسك (١). و رَّحِيقٍ مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥]: له ختام، أي عاقبه، قاله أبو عبيد (٢)، ومنه: خاتم النبيين، أي آخرهم (٣).
قال الليث: وخاتمة السورة: آخرها، وخاتم كل شيء: آخره (٤). ومنه ختم القرآن، لأنه حال الفراغ من قراءته، وختم الكتاب عند طيه والفراغ منه (٥). وقيل في قول ابن مقبل (٦) يصف الخمر:
بالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمَّانِ مَخْتومُ (٧)
(٢) لعل المراد أبو عبيدة كما في "الحجة" حيث قال: (وأظن أبا عبيدة اعتبر ما روي عن الحسن في تفسير الآية، لأنه قال في قوله: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ: له ختام، أي: عاقبة ختامه مسك، أي: عاقبته، وأنشد لابن مقبل... فتأول الختام على العاقبة، ليس على الختم الذي هو الطبع، وهذا قول الحسن، مقطعه مسك)، "الحجة" ١/ ٢٩٢، وانظر: "مجاز القرآن" ٢/ ٢٩٠.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٤٤، "التهذيب" (ختم) ١/ ٩٨٤.
(٤) ذكره الأزهري عن الليث، "تهذيب اللغة" (ختم) ١/ ٩٨٤.
(٥) انظر: "العين" ٤/ ٢٤٢، "الصحاح" (ختم) ٥/ ١٩٠٨، "معجم مقاييس اللغة" (ختم) ٢/ ٢٤٥.
(٦) هو: الشاعر تميم بن أبي بن مقبل العجلاني، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وبلغ مائة وعشرين سنة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص ٢٩٧، "الإصابة" ١/ ١٨٧، "الخزانة" ١/ ٢٣١.
(٧) صدره في "الحجة":
مما يفتق في الحانوت ناطفها
وورد صدره في "ديوانه":
صرف ترقرق في الناجود ناطلها
يفتق: يشق، الحانوت: دكان الخمار، ناطفها: النطف سيلان الماء، الجون: يطلق على الأبيض والأسود، وقوله (ترقرق): تترقرق أي: تتلألأ، الناجون: =
أي لآخرها طعم الفلفل والرمان. قال الأزهري: أصل الختم: التغطية، وختم البذر (١) في الأرض إذا غطاه (٢).
وقال أبو إسحاق: معنى: ختم وطبع (٣) في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء، والاستيثاق منه بأن لا يدخله شيء، كما قال: أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤]، وكذلك قوله: طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (٤) هذا كلام أبي إسحاق.
واعلم أن الختم على الوعاء يمنع (٥) الدخول فيه والخروج منه، كذلك الختم على قلوب الكفار يمنع دخول الإيمان فيها وخروج الكفر منها، وإنما يكون ذلك بأن يخلق الله الكفر فيها (٦)، ويصدهم عن الهدى،
(١) في (ب): (النذر).
(٢) "التهذيب" (ختم) ١/ ٩٨٥، وفيه: (ختم البذر: تغطية).
(٣) في (ب): (تطبع).
(٤) جاءت في عدة آيات في التوبة وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [التوبة: ٩٣]، وفي النحل: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [النحل: ١٠٨]، وفي محمد: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [محمد: ١٦]. والآية وردت في "تهذيب اللغة" ضمن كلام أبي إسحاق، "التهذيب" (ختم) ١/ ٩٨٤، ويظهر أن الواحدي نقل كلام الزجاج عنه، وفي "معاني القرآن" للزجاج ورد مكانها: (طبع عليها بكفرهم) ووضع المحقق لها رقم (النساء: ١٥٥)، وسياق آية النساء: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. انظر "معاني القرآن" للزجاج١/ ٤٦.
(٥) في (ب): (ممنع).
(٦) قال ابن كثير: (.. ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى، جزاء وفاقا على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن، وليس بقبيح...)، =
ولا (١) يدخل الإيمان في قلوبهم كما قال: وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية: ٢٣].
فأما قول من قال: معنى خَتَمَ اَللَّهُ عَلىَ قُلُوبِهِم: حكم الله بكفرهم (٢)، فغير صحيح، لأن أحدنا يحكم بكفر الكافر، ولا يقال (٣): ختم على قلبه.
وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى ختم الله على قلوبهم: وسمها سمة (٤) تدل (٥) على أن فيها الكفر، لتعرفهم الملائكة بتلك السمة، وتفرق (٦) بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع (٧).
قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في قلب المطبوع
(١) في (ب): (فلا يدخل). ولعله أولى.
(٢) ذكره الفارسي في "الحجة" ١/ ٣٠٩، والثعلبي ١/ ٤٨ ب، وهذا قول المعتزلة ذكره القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، أحد علمائهم في كتابه "متشابه القرآن" ١/ ٥١، ٥٢ تحقيق عدنان زرزور. وانظر "الكشاف" للزمخشري ١/ ١٥٧ - ١٦٢، وانظر رد الأسكندري عليه في "الحاشية"، "البحر المحيط" ١/ ٤٨.
(٣) في (ب): (ولان يقال).
(٤) في (ج): (وسمة).
(٥) في (ب): (يدل).
(٦) في (ب): (يفرق)
(٧) في (ب): (السرح) وفي (ج): (الشرح).
على قلبه (١). وهذا باطل، لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال: ختمت على الشيء بمعنى: أعلمت عليه ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته.
وقوله تعالى عَلىَ قُلُوبِهِم. قال الليث: القلب مضغة من الفؤاد، معلقة بالنياط (٢). وكأنه أخص من الفؤاد، ولذلك (٣) قالوا: أصبت حبة قلبه، وسويداء قلبه.
وقيل: القلوب والأفئدة: قريبان من السواء (٤). وقال بعضهم: سمي القلب قلبا لتقلبه (٥)، وأنشد:
| ما سمي القلب (٦) إلا من تقلبه | والرأي (٧) يصرف بالإنسان أطوارا (٨) |
(١) ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" عن قوم من المتأولين، ١/ ٣٠١.
(٢) "تهذيب اللغة" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦.
(٣) في (ب): (وكذلك).
(٤) في (ب): (العوا).
(٥) "تهذيب اللغة" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦.
(٦) في (ج): (ما سمي القلب قلبا إلا من..).
(٧) في (ب): (الذي).
(٨) البيت في "التهذيب" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦، وكذا "اللسان" (قلب) ٦/ ٣٧١٤، بهذا النص، وورد في القرطبي ١/ ١٦٣، و"الدر المصون" ١/ ١١٤، "روح المعاني" ١/ ١٣٥، شطره الثاني: =
لا تثنى ولا تجمع، [لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع (١)] (٢).
وقال ابن الأنباري: أراد (٣): وعلى مواضع سمعهم، فحذف المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام (٤).
وقيل: اكتفى من الجمع بالواحد (٥)، كما قال الراعي (٦):
| بها جيف الحسرى فأما عظامها | فبيض وأما جلدها فصليب (٧) |
غير منسوب في جميع المصادر.
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٧، "تهذيب اللغة" (سمع) ٢/ ١٧٥٦، والثعلبي ١/ ٤٨/ب، "تفسير أبي الليث" ١/ ٩٣، "زاد المسير" ١/ ٢٨، والقرطبي ١/ ١٦٥. وقيل: وحد السمع، لأن المسموع واحد وهو الصوت، وقرئ شاذا وعلى أسماعهم. انظر. "الفتوحات الإلهية" ١/ ١٥.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣) في جميع النسخ (أرادوا على) زيادة ألف بعد الواو والصحيح حذفها.
(٤) لم أجده منسوبا لابن الأنباري. وورد بمعناه في "تفسير أبي الليث" ١/ ٩٣، والقرطبي ١/ ١٦٦، "تهذيب اللغة" (سمع) ٢/ ١٧٥٧.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٧، والثعلبي ١/ ٤٨ ب، و"تفسير أبي الليث" ١/ ٩٣، و"تهذيب اللغة" (سمع) ص ١٧٥٧.
(٦) كذا نسبه الثعلبي ١/ ٤٨ ب، والبيت لعلقمة بن عبدة الفحل كما في "الكتاب" وغيره.
(٧) البيت لعلقمة بن عبدة الفحل، قاله يصف طريقاً شاقًّا، قطعه لممدوحه. الحسرى: جمع حسير، والحسير: البعير المعيب يتركه أصحابه فيموت، وابيضت عظامه لما أكلت السباع والطير ما عليه من لحم، صليب: يابس لم يدبغ. الشاهد (جلدها) مفرد أريد به الجمع، أي: جلودها. =
وقال الله تعالى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى: ٤٥]، وهو كثير جدًّا.
وقال سيبويه (١): توحيد السمع يدل على الجمع، لأنه توسط جمعين، كقوله: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله: عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ [النحل: ٤٨].
وتم الكلام (٢) ههنا (٣).
ثم قال: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ الأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته (٤)، ومنه قول زهير:
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن................ البيت (٥)
(١) انظر. "الكتاب" ١/ ٢٠٩، والنص من الثعلبي ١/ ٤٨/ب.
(٢) في (ج): (السلام).
(٣) انظر. "معاني القرآن" للفراء١/ ١٣، "مجاز القرآن" ١/ ١٣ "تفسير الطبري" ١١٣ - ١١٤، "تفسير الثعلبي" ١/ ٤٨/ ب، وذكر النحاس عن الأخفش سعيد، ويعقوب: أن وقف على (قلوبهم) كان أيضا تاما، وتعقبه النحاس فقال: (إذا وقف على (قلوبهم) وقدره بمعنى: وختم على سمعهم لم يكن الوقت على قلوبهم تماماً، لآن الثاني معطوف على الأول، وإن قدر الختم على القلوب خاصة فهو (تام)..)، "القطع والائتناف" ص ١١٦.
(٤) "تهذيب اللغة" (بصر) ١/ ٣٤٠.
(٥) وتمامه كما في الديوان:
تحملن بالعليا من فوق جرثم
"ديوان زهير" ص ٩. =
والغشاوة الغطاء (١)، ويقال للجلدة التي على الولد: غشاوة، ومنه غشى على المريض إذا دير به، لأنه لبسةٌ من حال المرض، ومنه غاشية السرج (٢).
وفيه ثلاث لغات: ضم الغين وفتحها وكسرها (٣). والأفصح الكسر، لأن كل ما كان مشتملاً على شيء فهو مبني على (فعالة) كالعمامة والقلادة والعصابة. وكذلك أسماء الصناعات، لأن معنى الصناعة الاشتمال على (٤) كل ما فيها، نحو: الخياطة والقصارة، وكذلك كل من استولى، فاسم ما استولى عليه الفعالة نحو: الخلافة والإمارة (٥).
قال أبو علي الفارسي: ولم أسمع منه فعلاً متصرفا بالواو، ولامه (ياء) لأنك تقول: غشي يغشى، والغشيان وغشيته أي: ألبسته وسترته، والغشاوة من الغشيان كالجباوة من جبيت، في أن (الواو) كأنها بدل من (الياء) إذ (٦) لم يصرف منه فعل بالواو كما لم يصرف من الجباوة (٧).
(١) في (ب): (والعطاء).
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" (غشى) ٣/ ٢٦٦٨، "اللسان" (غشى) ٦/ ٣٢٦١.
(٣) ذكره في "الحجة"، قال: روى لنا عن الكسائي وعن غيره ١/ ٣١، وانظر: "اللسان" ٦/ ٣٢٦١.
(٤) (على) ساقطة من (ب).
(٥) في (ج): (الامارمه). والكلام بنصه في "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٨، وانظر "تهذيب اللغة" (غشى) ٣/ ٢٦٦٨، و"اللسان" (غشى) ٦/ ٣٢٦١..
(٦) في (أ)، (ج): (إذا) وفي (ب) و"الحجة": (إذ). وهو الأولى لصحة السياق.
(٧) في (ب): (الجباره). انظر كلام أبي علي في "الحجة" ١/ ٣٠٠، نقله الواحدي بتصرف، قال ابن فارس (غشى): الغين والشين والحرف المعتل، أصل صحيح =
والأشهر في القراءة رفع الغشاوة (١)، لأنها لم تحمل على (ختم)، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [الجاثية: ٢٣]، فلما (٢) لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل هاهنا (٣)، وبقطعها عن ختم فتكون مرفوعة (٤) بعلى (٥).
وقرأ المفضل (٦) غِشَاوَةٌ بالنصب (٧). وله وجهان:
قال السمين الحلبي بعد أن ذكر كلام أبي علي: وظاهر عبارته أن الواو بدل من الياء، فالياء أصل؛ بدليل تصرف الفعل منها دون مادة الواو، والذي يظهر أن لهذا المعنى مادتين: غ ش و، غ ش ى، ثم تصرفوا في إحدى المادتين واستغنوا بذلك عن التصرف في المادة الأخرى، وهذا أقرب من ادعاء قلب الواو ياء من غير سبب..)، "الدر المصون" ١/ ١١٦.
(١) قرأ السبعة كلهم برفع الغشاوة، إلا ما روى المفضل الضبي، عن عاصم أنه قرأ بالنصب. انظر "الحجة" لأبي علي ١/ ٢٩١، ٣١٢، وقال الطبري: إن قراءة الرفع هي الصحيحة، والنصب شاذة، ١/ ٢٦٢، ونحوه قال أبو الليث في "تفسيره" ١/ ٩٣.
(٢) في "الحجة": (فكما) ١/ ٣٠٩.
(٣) في "الحجة" (كذلك لا تحمل في هذِه التي في مسألتنا) ١/ ٣٠٩.
(٤) فى (ب): (فتكون من موسه بعلى).
(٥) في "الحجة": (ملها على (ختم) قطعها عنه وإذا قطعها عن (ختم) كانت مرفوعة إما بالظرف، وإما بالابتداء، "الحجة" ١/ ٣٠٩. قال مكي: (غشاوة: رفع بالابتداء، والخبر. وعلى أبصارهم)، (المشكل) ١/ ٢٠، وقال العكبري: (وعلى قول الأخفش (غشاوة) مرفوع بالجار كارتفاع الفاعل بالفعل)، "الإملاء" ١/ ١٥.
(٦) هو المفضل بن محمد الضبي الكوفي، إمام مقرئ، نحوي، إخباري، أخذ القراءة عن عاصم، ومات سنة ثمان وستين ومائة.
انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" ١٣/ ١٢١، "الأنساب" ٨/ ٣٨٥، "إنباه الرواة" ٣/ ٢٩٨، "غاية النهاية" ٢/ ٣٠٧.
(٧) قال ابن مجاهد: "قرأوا كلهم (غشاوة) في (البقرة) رفعا وبالألف، إلا أن المفضل =
أحدهما (١): أن تحمل على الفعل، كأنه قال: وختم على قلبه غشاوة، أي: بغشاوة فلما حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى ختم عليه بغشاوة: مثل جعل على بصره غشاوة. ألا ترى أنه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها، والدليل على جواز حمل غشاوة على ختم هذا الظاهر قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ [النحل: ١٠٨]، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع)، فكذلك (٢) تحمل (٣) على (ختم) (٤).
والوجه الثاني: ما قاله الفراء (٥)، وهو أنه نصبها بإضمار (وجعل)، كقوله في الجاثية: وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [الجاثية: ٢٣].
والكلام إذا اجتمع ودل أوله على آخره حسن الإضمار، كقولك: أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس، فـ (بنى) لا يقع على العبيد (٦) وإلاماء، واللباس فبنى لا يقع على العبيد والإماء ولكنه (٧)، صفات اليسار، فحسن الإضمار لما عرف، ومثله كثير. والذي لا يحسن من الإضمار (٨) ما يشتبه ولا يعرف المعنى، كقولك: ضربت فلانًا وفلانًا،
(١) في (ج): (أحدها).
(٢) (فكذلك) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): (حمل).
(٤) بنصه في "الحجة"، ١/ ٣٠٩، ٣١٠.
(٥) "معاني القرآن" ١/ ١٣، ١٤، ونقله بتصرف يسير.
(٦) في (ب) (العبد).
(٧) في (ب): (لكن).
(٨) في (ب): (لا يشتبه).
وأنت تريد بالثاني: قتلت، لأنه ليس هاهنا دليل، وكذلك قولك: قد أعتقت يساراً أمس وآخر اليوم، وأنت تريد: واشتريت آخر اليوم، فهذا لا يجوز، لأنه مختلف (١).
قال الزجاج في هذه الآية: إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكن لم يستعملوا (٢) هذه الحواس استعمالاً يجدي عليهم، فصاروا كمن لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر (٣).
وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. (العذاب): كل ما يُعَنَي الإنسان ويشق عليه، وذكرت اشتقاقه عند قوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة: ١٠].
و (العظيم) فعيل من العظم، ومعنى العظم: هو كثرة المقدار في الجثة (٤)، ثم استعير ذلك في الصفات، فقيل: كلام عظيم، [وأمر عظيم، أي: عظيم (٥)] القدر، يريدون به المبالغة في وصفه، ومن هذا الباب العظام، لأنها من (٦) أكبر ما ركب منه البدن، فالعظم في الأصل الزيادة على المقدار (٧)، ثم ينقسم إلى عظم الأجسام، وعظم الشأن (٨)، وهو
(٢) في (ب): (لا يسمعوا).
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٧.
(٤) في (ب): (الجنة).
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٦) (من) ساقطة من (ب).
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (عظم) ٣/ ٢٤٨٨، "معجم المقاييس" (عظم) ٤/ ٣٥٥، "اللسان" (عظم) ٥/ ٣٠٠٤.
(٨) في (ب): "اللسان".
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي