قوله تعالى: أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ.. ناصبٌ ومنصوبٌ، وعلامةُ النصبِ حَذْفُ النونِ، والأصلُ: في أَنْ، فموضعُها نصبٌ أو جَرٌّ على ما عُرِفَ غيرَ مرةَ، وعَدَّى «يؤمنوا» باللام لتضمُّنِه معنى أَنْ يُحْدِثوا الإِيمان لأجلِ دعوتِكم، قاله الزمخشري وقد تقدَّم تحقيقُه.
قوله: وَقَدْ كَانَ الواو للحالِ. قالَ بعضُهم: «وعلامتُها أَنْ يَصْلُحَ موضعَها» إذ «والتقدير: أفتطمَعُون في إيمانِهم والحالُ أنهم كاذبون مُحَرِّفون لكلام الله تعالى. و» قد «مقربةٌ للماضي مِن الحال سَوَّغَتْ وقوعَه حالاً. و» يَسْمَعُون «خبراً كان، و» منهم «في محلِّ رفع صفةً لفريقٍِ، أي: فريقٌ كائنٌ منهم. وقال بعضُهم: يَسْمَعُونَ في محلِّ رفعٍ صفةً لفريق، و» منهم «في محلِّ نصبٍ خبراً لكانَ، وهذا ضعيفٌ. والفريق اسمُ جمعٍ لا واحدَ له مِن لفظِه كرهط وقوم، وكان وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ على ما تقدَّم. وقُرئ كَلِمَ الله وهو اسمُ جنسٍ واحدهُ كلمة، وفَرَّق النحاة بين الكلام والكَلِم، بأنَّ الكلامَ شرطُه الإِفَادَةُ، والكَلِمُ شَرْطُه التركيبُ من ثلاثٍ
فصاعداً، لأنه جَمْعٌ في المعنى، وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ، فيكونَ بينهما عمومٌ وخُصوصٌ من وجهٍ، وتحقيقُ هذا مذكورٌ في كتبِهم. وهل الكلامُ مصدرٌ أو اسمُ مصدر؟ خلافٌ. والمادةُ تَدُلُّ على التأثير، ومنه الكَلْمُ وهو الجرحُ، والكلامُ يؤثِّر في المخاطب قال:
| ٥٥٣ -........................... | وجُرْحُ اللسانِ كجُرْحِ اليَدِ |
| ٥٥٤ - إذا كَلَّمَتْنِي بالعيونِ الفواتِرِ | رَدَدْتُ عليها بالدموعِ البوادِرِ |
| ٥٥٥ - إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ وإنما | جُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دَلِيلا |
قوله: مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ متعلِّقٌ ب يُحَرِّفُونَهُ. والتحريفُ: الإِمالة والتحويلُ، و» ثم «للتراخي: إمَّا في الزمانِ أو الرتبةِ، و» ما «يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً أي: ثم يُحَرِّفون الكلامَ من بعدِ المعنى الذي فَهِموه وعَرفوه. ويجوزُ أن تكونَ مصدريةً والضميرُ في» عَلَقوه «يعودُ حينئذٍ على الكلامِ، أي مِنْ بعدِ تَعَقُّلِهِم إياه. قوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ جملةٌ حاليةٌ، وفي العاملِ فيها قولان، أحدهما: عَقَلُوهُ، ولكنْ يلزَمُ منه أن تكونَ حالاً مؤكدةً، صفحة رقم 441
لأنَّ معناها قد فُهِمَ مِنْ قولِه» عَلَقُوه «والثاني: وهو الظاهرُ، أنه يُحَرِّفونه، أي يُحَرِّفونه حَالَ عِلْمِهِم بذلك.
صفحة رقم 442الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط