قَوْلُهُ تَعَالَى : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ؛ اختلَفُوا في هذه الأيَّام ما هِيَ ؟ قال ابنُ عبَّاس ومجاهدٌ :(قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِيْنَةَ وَالْيَهُودُ تَقُولُ : مُدَّةُ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلاَفِ سَنَةٍ ؛ وَإنَّمَا نُعَذَّبُ بكُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْماً وَاحِداً، ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ عَنَّا بَعْدَ سَبْعَةِ أيَّامٍ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
وقال قتادةُ وعطاءُ :(يَعْنُونَ الأَرْبَعِينَ يَوْماً الَّتِي عَبَدَ آبَاؤُهُمْ فِيْهَا الْعِجْلَ ؛ وَهِيَ مُدَّةُ غَيْبَةِ مُوسَى عليه السلام).
وفي بعضِ التَّفاسيرِ : اختَُلِفَ في مقدار عبادتِهم العجلَ ؛ فقيل : عشرةُ أيام. وَقِيْلَ : سبعةُ أيَّام. وَقِيْلَ : أربعون يوماً. فقَالَ اللهُ تَعَالَى تكذيباً لَهم : قُلْ ؛ يا مُحَمَّدُ : أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْداً ؛ أي مَوْثِقاً أنَّ لا يعذِّبُكم إلاَّ هذه المدَّةَ، فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ .
وروي أنه يقالُ لَهم عند مُضِيِّ الأجلِ : يَا أعْدَاءَ اللهِ قَدْ مَضَى الأَجَلُ وَبَقِيَ الأبَدُ.
ولفظُ الـ مَّعْدُودَةً للقلَّة كقوله : بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ [يوسف : ٢٠]، وفي الصَّومِ : أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ [البقرة : ١٨٤]. واحتجَّ أصحابُنا بقولهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ :" الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلاَةَ أيَّامَ أقْرَائِهَا " وقوله ﷺ :" دَعِي الصَّلاَةَ أيَّامَ أقْرَائِكِ " أن أقلَّ الأيامِ ثلاثةٌ وأكثرها عشرةٌ ؛ لأنه يقالُ لِما دونِ الثلاثة : يومٌ ويومَان، وفيما زادَ على العشرةِ أحدَ عشر ؛ وليس لأحدٍ أن يعترضَ على هذا بقولهِ في ليلة الصِّيام : أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ [البقرة : ١٨٤] أرادَ بها الشهرَ كلَّه ؛ لأنه ظاهرُ لفظ الأيَّامِ من الثلاثة إلى العشرةِ. إلاَّ أنه قد يذكرُ ويراد به الزيادةَ وقد فسَّر الله تعالى أيامَ الصومِ بالشَّهر، فانعقدَ بذلك التفسيرِ. وأما أيامُ الحيضِ فمبهمةٌ ؛ فلا بدَّ أن تكون محصورةً ؛ لأن الأحكامَ تختلفُ بحالِ الحيض والطُّهرِ، فكان حملُ اللفظِ على ظاهرهِ وحقيقته أولَى.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني