ثم ذكر الحق تعالى بعض أمانيهم الفارغة، فقال : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيائَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : وَقَالُوا أي : بنو إسرائيل في أمانيهم الباطلة : لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً أربعين يوماً مقدار عبادة العجل، ثم يخلفنا فيها المسلمون.
قال الحقّ جلّ جلاله : قُلْ لهم يا محمد : أَتَّخَذْتُمْ بذلك عهداً عند الله فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ .
والغالب على مَن صَحِبَ أولياء الله المتمكنين - الحفظ وعدم الإصرار، فمن كان كذلك لا تمسه النار، وفي الحديث :" إذَا أحَبَّ اللّهُ عَبْداً لَمْ يضرُّه ذَنْب "، يعني : يُلهم التوبة سريعاً، كما قيل لأهل بدر :" افْعلُوا مَا شِئْتُم فَقَدْ غَفَرتْ لَكُم ". ولا يتخذ عند الله العهد إلا أهل الفناء والبقاء، لأنهم بالله فيما يقولون، فليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار، وأما من لم يبلغ هذا المقام فلا عهد له ؛ لأنه بنفسه، فمن تعلّق بمثل هذا فهو على خطر، وبالله التوفيق.
قوله تعالى : بلى من كسب سيئة ، من اقتنى حب الدنيا أحاطت به أشغالها وعلائقها، فهو في نار القطعية مقيم، أحاط به سرادق الهموم والأكدار، تلدغه عقارب الشكوك والأغيار، بخلاف من أشرفت عليه أنوار الإيمان، وصحب أهل الشهود والعيان، فإنه في روح وريحان وجنة ورضوان، متعنا الله بذلك في الدارين. آمين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي