أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ [ ١ ] وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٥ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ [ ٢ ] لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ٧٦ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ٧٧ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ [ ٣ ] لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ [ ٤ ] وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ٧٨ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ [ ٥ ] ٧٩ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ٨٠ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٨١ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٨٢
تعليق على الحلقة الخامسة من سلسلة الآيات الواردة في السورة في بني إسرائيل
وهذه حلقة خامسة من سلسلة الآيات. وقد وجه الخطاب في الآية الأولى إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأسلوب سؤال يتضمن التقرير بأن طمعهم في إيمان اليهود في غير محله. ثم أخذت الآيات تعدد أفعالهم وأقوالهم ومواقفهم للبرهنة على فقد أي أمل في إيمانهم :
١- فقد كان منهم من يسمع آيات القرآن، ثم يحرفون ما سمعوا تعمداً بقصد التشويش والتعطيل والتشكيك بعد أن يكونوا عقلوه وفهموه.
٢- وكان فريق منهم إذا التقى بالمؤمنين قالوا لهم : آمنا بأن ما جاء في القرآن حق مطابق لما عندنا، فإذا خلا بعضهم إلى بعض ندد بعضهم بهذا الفريق وقرعوهم، وقالوا لهم : إنكم بما تقولونه للمؤمنين عما عندكم من علم الله وكتبه تعطونهم حجة عليكم وبرهاناً ضدكم عند الله.
٣- ومنهم الأميون الجاهلون الذين لا يعلمون ما في الكتاب علماً يقينياً ويتظاهرون مع ذلك بالعلم به وينسبون إلى كتاب الله ما ليس فيه أو يكتبون كتابات بأيديهم ويدعون أنها من كتاب الله قاصدين بذلك المنافع الخسيسة والقيم البخسة.
٤- وكانوا يتبجحون بحظوتهم عند الله، ويزعمون أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة.
وقد تخلل الآيات مقاطع فيها تنديد وإنذار جرياً على الأسلوب القرآني : فالويل لهم مما يكتبون ويكذبون ويتبجحون وإنهم لعلى سخف وضلال لتجاهلهم أن الله يعلم ما يسرّون كما يعلم ما يعلنون. وهم إذ يقولون لن تمسّنا النار إلا أياما معدودة يقولون ذلك كأنما أخذوا عهداً من الله به فلم يعودوا يبالون بما يصدر منهم من آثام، فضلاً عما في ذلك من افتراء على الله ؛ لأن سنته وعدله يجريان دائما على أن من اقترف سيئة وأحاطت به خطيئة فهم من أصحاب النار خالدين فيها أيا كانوا، وأن من آمنوا وعملوا صالحاً فهم وحدهم أصحاب الجنة الخالدون فيها.
وأسلوب هذه الحلقة التفانيّ، فالحلقات الأولى خاطبت اليهود ونددت بهم وربطت بين مواقفهم ومواقف آبائهم. في حين أن هذه الحلقة التفتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لتذكرهم بما يقولون ويفعلون ولتبرهن لهم على أن الطمع في إيمانهم لا محل له مع هذه الأقوال والأفعال التي تصدر عنهم.
وقد يدل هذا على أن اليهود قد أسفروا عن وجوههم ووقفوا نهائياً موقف الجحود للدعوة الإسلامية ومناوأتها.
والمتبادر أن ذلك كان تدريجيا، فالحلقة الأولى حكت جحودهم لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، ولا بد من أن يكون ذلك بعد فترة ما من وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. والمتبادر أن الحلقة الخامسة التي نحن في صددها قد نزلت بعد فترة ما من الحلقات السابقة ؛ لأنها تضمنت نتيجة لمواقفهم المتنوعة التدريجية والله أعلم.
ولقد وقف المفسرون عند بعض عبارات الحلقة وأوردوا روايات عن المؤولين القدماء في صددها، وفي ما يلي ما رأينا فيه فائدة مع تعليقنا عليه :
١- في صدد جملة وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ حيث رووا أنها حكاية عن ما كان القدماء يفعلونه وأن الأحبار القدماء، كانوا يحرفون معاني التوراة مقابل رشاوٍ تعطى لهم. والجملة تتحمل هذا بدون ريب غير أن جملة وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا المعطوفة عليها جعلتنا نرجح أن الصورة لليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم.
٢- في صدد جملة أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ رووا أن بعضهم كان يعترف للمسلمين بأن محمدا نبي حقا ولكنه مرسل للعرب. وأن آخرين نهوهم عن هذا الاعتراف ؛ لأن فيه على كل حال حجة عليهم كما رووا أن بعض المسلمين كانوا يسألونهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن مطابقة ما جاء به مع كتبهم فكانوا يجيبونهم بإجابات إيجابية فنهاهم الآخرون عن ذلك. وفحوى العبارة وروحها متسقان مع هذه الروايات.
٣- في صدد جملة : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً رووا أن اليهود تجادلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : لن ندخل النار إلا أربعين ليلة ويستخلفنا قوم آخرون يعنون : محمدا وأصحابه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أنتم خالدون بها لا يخلفكم أحد، وأنزل الله الآية. كما رووا أن اليهود كانوا يقولون إن مدة الدنيا سبعة آلاف وأن الله يعذب الناس يوم القيامة لكل سنة يوما فأنزل الله الآية. والرواية الأولى قد تكون أكثر انسجاماً مع فحوى الآية مع القول : إن الآية منسجمة مع حلقة السلسلة انسجاماً تاماً. فإذا كان لهذه الرواية أصل فيكون أنهم قالوا ما قالوه قبل نزول الحلقة فرد الله عليهم قولهم في سياق آيات الحلقة.
وعلى كل حال فروح الآيات وفحواها يفيد أن اليهود كانوا يتبجحون بالعلم والمعرفة والحظوة عند الله، وأن بعض المسلمين كانوا ينخدعون بذلك فيسألونهم عن أمور متنوعة فكانوا يجيبونهم بإجابات ينسبونها إلى كتب الله كذباً وتضليلاً فاقتضت حكمة الله تنبيه المسلمين إلى ذلك. وهناك حديث يرويه البخاري عن أبي هريرة جاء فيه :«كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية لأهل الإسلام فقال رسول الله لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربّهم» [ التاج ٤/٤٣ ]. حيث ينطوي في الحديث تنبيه نبوي أيضاً مع التنبيه على أن المتبادر من النهي في الحديث أنه لما لا يكون صدقه وكذبه معلوماً علماً يقينياً من السائل والمستمع. وأنه ليس فيه ما يمنع المسلم من التكذيب والتصديق إذا كان على علم يقيني بذلك والله أعلم.
ومن المؤسف أن كثيرين من مفسري المسلمين برغم هذه التنبيهات دونوا كثيراً مما كان اليهود أو مسلمتهم يحدثون به من أحاديث فيها ما لا يصح أن يُخفى عليهم من كذب وتناقض وغلوّ ومفارقات فكان من ذلك ما امتلأت به كتبهم مما عرف بالإسرائيليات التي شوشت أذهان المسلمين وما تزال تشوشها.
استطراد إلى بيان أسباب تنكر اليهود للدعوة الإسلامية ومناوأتها وما ردده القرآن من فقد الأمل بإيمانهم بها
لقد قلنا : إن اليهود قد أسفروا عن وجوههم ووقفوا نهائياً موقف الجحود للدعوة الإسلامية ومناوأتها على ما تلهمه هذه الحلقة بل السلسلة باستثناء أفراد منهم آمنوا وحسن إسلامهم، ونوهت بهم آيات سورة آل عمران [ ١٩٩ ] والنساء [ ١٦٢ ] فصار من المناسب الاستطراد إلى شرح أسباب ذلك فنقول : إنهم ظنوا على ما يبدو أن يجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم خارج نطاق دعوته معتبرين أنفسهم أهدى من أن تشملهم وأمنع من أن يأمل النبي صلى الله عليه وسلم دخولهم في دينه وانضواءهم إلى رايته بل كانوا يرون أن من حقهم أن ينتظروا انضمامه إليهم كما يمكن أن تلهمه آيات عديدة منها آية البقرة هذه : وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ١٢٠ وهذه : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ١١١ وهذه : وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٣٥ ١، ولا سيما حينما رأوه يصلي إلى قبلتهم ويعلن إيمانه بأنبيائهم وكتبهم بلسان القرآن ويجعل ذلك جزءاً لا يتجزأ من دعوته ويتلو فيما يتلوه : أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ٩٠ [ الأنعام : ٩٠ ] وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ٢٣ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤ [ السجدة : ٢٣-٢٤ ] وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [ الجاثية : ١٦ ] فخاب ظنهم ورأوه يدعوهم في جملة الناس بل يختصهم بلسان القرآن أحياناً بالدعوة ويندد بهم لعدم إسراعهم إلى استجابتها ولموقفهم منها موقف الانقباض ثم موقف التعطيل والتناقض على ما جاء في الآيات [ ٤٠-٤٤ ] من الحلقة الأولى فكان هذا على ما هو المتبادر باعثاً على تنكرهم للدعوة وحقدهم على صاحبها منذ الخطوات الأولى من العهد المدني.
ثم رأوا الناس قد أخذوا ينصرفون عنهم ويتخذون النبي صلى الله عليه وسلم مرجعهم الأعلى ومرشدهم الأعظم وقائدهم المطاع فاستشعروا – حقاً أو باطلاً – بالخطر العظيم يحدق بمركزهم وامتيازاتهم ومصالحهم فاندفعوا في خطة التنكر والحقد والتآمر والصدّ والتعطيل والتحالف مع المنافقين ثم مع مشركي العرب إلى نهايتها.
ولقد كان من المتوقع على ما تلهمه آيات عديدة مكية ومدنية أن يجد النبي صلى الله عليه وسلم في اليهود سنداً وعضداً، وأن يكونوا أول من يؤمن به ويصدقه ويلتف حوله لما كان بين دعوته وأسس دينهم من وحدة، ولما احتواه القرآن من تقريرات متنوعة وكثيرة بأنه مصدق لما بين يديه، وبأنه محتوٍ حلّ ا
التفسير الحديث
دروزة